الرئيسية كُتّاب وآراء تأسيس الحسيمة.. المعلمة الأثرية والوطنية في تاريخ الزمن الراهن

تأسيس الحسيمة.. المعلمة الأثرية والوطنية في تاريخ الزمن الراهن

كتب في 3 مارس 2019 - 9:59 م
مشاركة

يتفق العديد من الباحثين أنه من الصعب معرفيا ومنهجيا القفز على مرحلة الحماية لارتباطها بتاريخ الزمن الراهن والتاريخ المباشر، ولارتباطها بالتطورات اللاحقة التي عاشها المغرب، الأمر الذي يعني في السياق ذاته العمل على الانتقال أيضا معرفيا ومنهجيا من فترة الحماية إلى زمن الاستقلال الذي يؤسس من أجل الارتقاء من التاريخ إلى الذاكرة القريبة ومحاولة فك الارتباط بين التاريخ والسياسة، ومن الصعب التغاضي عن مدى الأهمية القصوى لجلسات الاستماع العمومية التي نظمتها هيئة الإنصاف والمصالحة حيث أكدت على الدلالات الاجتماعية للتاريخ الراهن، وأوصت بضرورة إلغاء الحواجز بين التاريخ والفضاء الأكاديمي وبين المجتمع المدني الذي بات يهتم بشكل كبير بتدبير ملفات وقضايا الماضي، فقد تعود الأكاديميون في الجامعات منذ قرون عديدة على دراسة الماضي بواسطة المصادر المكتوبة المنقولة عبر الأجيال، بينما اعتاد ت وسائل الإعلام على نقل ما شاهدته أو سمعته، في حين اعتاد الكتاب والهواة والمهتمين أن يتطرقوا لسرد أحداث الماضي كما رسخت في ذاكرة الأفراد.

لذلك نجد أن مقتضيات الزمن الراهن تستلزم دراسة فترة الحماية، وتقديم صورة متكاملة لأوضاع المغرب في فترة حاسمة من تاريخه المعاصر والراهن، لكون الاهتمام بتاريخ الزمن الراهن بدأ خلال القرن العشرين نظرا لهول المآسي التي شهدتها الإنسانية إبان الحرب العالمية الثانية، وقد فرض موضوعه على المؤرخين الجامعيين النزول من أبراجهم العاجية والعيش وسط القضايا الملتهبة التي تؤرق الرأي العام بالأسئلة الشائكة، فقد أدركت الإسطوغرافيا المغربية بما فيها حتى المقاربة الوطنية، أن فترة الحماية ليست مجرد فترة عادية يمكن تجاهلها أو الاستخفاف بسطوتها وشأنها.

بل لا بد من دراستها بطريقة موضوعية وإعمال مناهج أكاديمية في غاية الدقة ونحن بصدد سبر ما رافقها وترتب عنها من رجات على مستوى البنيات والأفكار الحداثية، وأن نمعن النظر في التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي رافقتها، وعدم الاكتفاء بمجرد تحجيم دور الإسطوغرافيا الاستعمارية، وهي العوامل والمؤشرات التي تتيح لنا إمكانيات التتبع والمقارنة بين الماضي والحاضر والتطرق على ضوء ذلك لتأكيد حقيقة مفادها أن مرحلة الحماية بقدر ما تضمنت أشكالا من الانقطاع فقد احتوت بين دفتيها على آليات الاستمرارية، وأن التقييم الموضوعي لفترة الحماية يستدعي إلزامية المقارنة بين الفترتين السابقة واللاحقة.

وتجمع الأبحاث المعاصرة على توفر تراكم مهم في الدراسات المتعلقة بفترة الحماية، و تحقق تقدم ملحوظ منذ عقد الثمانينيات، دون أن ينجم عن ذلك بالطبع النتائج المأمولة، لأسباب وجيهة وموضوعية، لكون معظم أرشيف المرحلة لا يزال موضوعا تحت المراقبة بمراكز الوثائق الفرنسية والإسبانية، مما يجعل من مسألة الاطلاع عليه والحصول على نظائر من نسخه أمرا مكلفا وصعبا، أما الأرشيف المغربي فقد أصبح متداولا وبالإمكان الاطلاع عليه، خاصة بعد إحداث مؤسسة أرشيف المغرب سنة 2011 ، وهو الوضع الجديد الذي سيحتم لا شك ملء الفراغات البيضاء و تفادي الغموض ونقط الظل العديدة، هروبا من متاهات التاريخ المعلنة وغير المعلنة، وهو الديدن الذي درجت عليه العديد من المجتمعات والأمم، مع وجود فارق يتمثل في تطور الوعي لدى المجتمع المغربي مثلا، إذ أصبح الرأي العام يدلي بمواقفه في هذا الميدان، الأمر الذي يضطر المؤرخين المحترفين والأكاديميين إلى إقناع الرأي العام بمشروعية التصورات التي ينطلقون منها في أبحاثهم، وبالتالي وعيهم أن أي إقصاء لغير المحترفين إنما ينطوي على تعسف مبالغ فيه.

جدل ثقافي وتاريخي حول جمالية البناء المعماري والأثري ذي القواسم المشتركة بالحسيمة :

ولكون بداية تأسيس الحسيمة يندرج بالأساس في إطار تاريخ الزمن الراهن، باعتبار الحسيمة المدينة ليست من المدن المغربية العتيقة من قبيل فاس، مراكش، الرباط .. المرتبطة بالدول المركزية وبعض الإمبراطوريات المغربية العريقة، وإن كانت بواديها تمتد إلى التاريخ القديم الذي يسبق الفتح الإسلامي، وسأحاول عبر هذه العجالة الإحاطة بشكل مقتضب ببعض الجوانب ذات الصلة بتأسيس هذه المدينة التي يجنح بعض الدارسين إلى تصنيفها ضمن ما يسمى بالمدن الكولونيالية، وأقف بالمناسبة عند نمط بنائها المعتمد في فترة التأسيس، وهو معمار أوروبي بالأساس على غرار المدن المغربية التالية تطوان، العرائش، أصيلة، الشاون، الناظور، طنجة .. وعرف هذا النمط المعماري بمشروع ” إنسانشي ” المبتدع على يد المهندس الإسباني كارلوس أوفيلو Carlos Ovilo ، وهو المشروع البنائي الذي دفع بأحد الباحثين الإسبان المعاصرين إلى نعته بالنموذج الذي يتضمن مواصفات الميز العنصري (Apartheid) لعدم أخذه بعين الاعتبار الطابع المحلي المغربي في طريقة البناء والتعامل مع ثفافة الريف في مجال البناء بنوع من الاستعلاء، كون أن سقفه بسيطا موغلا في التقليدانية، ولن يتجاوز في أحسن الأحوال نموذج البناء البدوي.

ولحسن الحظ فقد أعاد المراقب العسكري والمهندس السوسيولوجي الإسباني ” إيميليو بلانكو إيزاكا ” الكثير من الاعتبار والاحترام لنموذج البناء السائد بالمنطقة والريف الأوسط بالخصوص، إذ لجأ في تصاميمه البنائية التي أنجزها لفائدة العديد من المؤسسات التي تحمل طابعا إداريا، دينيا، تربويا ومجتمعيا، إلى استحضاره للبعد المعماري المغربي جنوب الأطلس ” القصور “، وعدم إغفاله للمواضعات المحلية وتأثيرات الشرق الإسلامي وكذلك الامتدادات الحضارية القديمة، والأكثر أهمية تجسيده للعمارة التاريخية والبعد التاريخي المغربي للمرابطين والموحدين بالخصوص في هذا المجال خلال وجودهم بالأندلس، وهو التابو الذي يعتبر الإسباني “جاودي” أول من تجاوزه من الأوروبيين، وقد تأثر به “إيميليو بلانكو” من خلال تبنيه لجمالية العمارة الأندلسية بروافدها الأطلسية والتاريخية، وتقاطع لديه ذلك مع الأشكال البنائية السائدة لدى الأوروبيين خلال نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وإيميليو بلانكو يعد من الأجانب القلائل الذين اتسمت دراساتهم السوسيولوجية والأنتروبولوجية عن هذه المنطقة المغربية بنوع من الموضوعية، خاصة في كتابيه المعروفين المتعلقين بالرقص والسكن، وهو المراقب العسكري الذي استفيد من تجربته الميدانية على مستوى التطبيق بالمنطقة المغربية الخليفية، في الأكاديمية العسكرية التي افتتحت ناحية بني “يطفت” بمركز سنادة عام 1946 أثناء فترة الحماية الإسبانية، وحتى من التكوين النظري الذي كان يلقن لضباط إسبانيا في العاصمة الإدارية بتطوان.

بدايات النزول والاحتلال : بين النفور وإمكانات التقارب والتعايش :

ونحن نتداول في القانون المنظم والمؤسس للمدينة خلال فترة الحماية باعتبارها منطقة نفوذ لإسبانيا، لا بد من التنويه أن خليفة السلطان مولاي الحسن بن المهدي شمل تصديقه بواسطة الظهير الصادر بتاريخ 25 غشت 1929 مشروع التوسيع والتنظيم الذي قام بتنفيذه المهندس المدني المعماري لمديرية الأشغال العمومية والمناجم D.Alejandro ferral  دون التصاميم الحضرية التي أنجزها المهندسان والضابطان العسكريان “خايمي كارسيا ” Jaime garcia، و”كارلوس لاماس” Carlos Lamas، وكانت النواة الأولى للمدينة المحدثة بعد النزول العسكري ابتداء من شهر شتنبر 1925 عبارة عن بيوت وأكواخ من القصدير وخيام كبيرة أقيمت في كل من مرفأ ” كيمادو” والمنظر الجميل وساحة فلوريدو، ليكون البناء الأول أواخر 1926 في شكل ثكنات عسكرية، وقد امتد البناء خلال السنوات اللاحقة ليشمل مساكن المدنيين الإسبان ومرافق البناء الإدارية والتجارية، وفي نفس الوقت البنايات الترفيهية والثقافية والاجتماعية والرياضية وكذلك الكنيسة الدينية الوحيدة بالمدينة.

طبعا فإن السكان الأصليين رفضوا الإقامة بهذا المركز المديني الجديد ولم يشرعوا في التوافد عليه إلا بعد مضي زهاء عقد من الزمن، وحتى من اضطر منهم للعمل مع الإسبان كان يرجع مساء للمبيت بمنزله خاصة السكان القاطنين في القرى المجاورة، ومن جانبهم فإن الإسبان عند احتلالهم لهذا الموقع فقد اتخذوا احتياطاتهم اللازمة وجلبوا معهم ما يكفي من المساعدين والخدم، وحسب الأرشيف الموجود بالكنيسة يشير إلى أن أغلبية هؤلاء المستقدمين ينحدرون من جنوب إسبانيا وبالضبط من مدن ( مالقا- ألمرية- غرناطة- مورسيا- إشبيلية- قادس- قرطبة- أليكانتي- وادي الحجارة -(Guadaljara) خيرونة- بطليوس- كيسيريس- مدريد- وأكثر هؤلاء انطواء وانعزالا عن الساكنة هم الوافدون من صوريا ((soria  … إضافة إلى المدنيين المنتمون لجنسيات أوروبية وأجنبية مختلفة مثل : ألمانيا والبرازيل والمكسيك والأرجنتين والبرتغال وكوبا، أما القوات العسكرية التي سبقت المدنيين فالذاكرة القريبة والشهادات تتحدث عن القوات النظامية من الريكولاريس واللفيف الأجنبي المشكل من الترسيو والحرس المدني laGuardia civil ، وفي الفترات المتأخرة التي سبقت الإعلان عن استقلال المغرب استقدمت بعض القوات من المحلة التابعة للخليفة بتطوان، وهذه الأخيرة ستتواجد بالمرافق الإدارية التي تهم مصالح المواطنين المغاربة بالخصوص، وذلك وفق ما تقتضيه إجراءات معاهدة الحماية.

من الصعب الحسم في الأسباب التي دفعت بالإسبان إلى اختيار موقع الحسيمة المدينة، حيث تتجاذب الموضوع كتابات تتطرق إلى عوامل صحية وعسكرية استراتيجية، مع استبعاد بعض الترهات ذات المنحى القبلي، وإن كان جوهر الاختيار لن يبرح الاعتبارات الأمنية المتعلقة تحديدا بخليج وميناء الحسيمة الحصين الذي يوفر لهم إمكانات الانتقال بسهولة نحو مدينتي مليلة وسبتة المغربيتين، وعلى العموم فإن الأسماء المحلية التي كانت تطلق على الحسيمة قبل التواجد الإسباني همت فقط المواقع الجغرافية المتواجدة ب”صباديا” غرب المدينة مثل “تغزويت” و” تجذيت” المتداولة بين السكان الأصليين، وقد أصبحت في طي النسيان، وحلت مكانها أسماء إسبانية تدرجت تواترا عبر الزمن، وتراوحت ابتداء وانتهاء ما بين : مرفأ كيمادو، مونت ملموسي، بياسانخورخو، وبيا الحسيمة، وأخيرا عود على بدء تم الرجوع إلى بياسانخورخو، وذلك إثر انهزام الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية سنة 1939، وتسلم الحكم من طرف القوميين الوطنين بزعامة الجنيرال فرانكو الذي سيحكم بلده إسبانيا بقبضة من حديد إلى حين وفاته في سنة 1975.

بالطبع فقد شهد زمن الحماية الإسبانية بالحسيمة وبالضبط سنة 1928 إنشاء وإحداث أول نواة تربوية تحولت مستقبلا إلى ما يشبه حيا مدرسيا بالتمام، بحيث يتعلق الأمر ب ” معهد إسبانيا ديا” (= مدرسة محمد الخامس حاليا) الذي خصص لأبناء الإسبان فقط، لكون المدينة آنذاك كانت خالية من الريفيين المغاربة، وشمل نظامها التربوي المعتمد بهذه المؤسسة التعليمين الابتدائي والثانوي، وسيحدث تغير في المنهاج التربوي المعتمد بهذه المؤسسة التربوية ابتداء من سنة 1936 لكونها ستخصص الطابق الأول لأبناء المغاربة الذين شرعوا في الاستقرار والعيش بالمدينة، وابتداء من 1940 سيتحول المعهد الإسباني إلى مجموعة مدرسية إسبانية، لتكون ملحقتها وفرعها الأول هي مجموعة مدارس سيدي علي بن حسون(Villa Sanjurjo )، ومديرها الأول المدرس سيدي محمد إبراهيم الصحراوي، وفرعها الثاني هي المدرسة الإسلامية للبنات ” مجوعة مدارس سيدي عبد العزيز الورياغلي حاليا ” المتأسسة بتاريخ  1 أكتوبر1941 ، وتولى الإشراف على إدارتها آنذاك سيدي محمد بن عمر طحطاح، وهما الملحقتان اللتات سيتم توسيعهما وإصلاحهما سنة 1955 ، وكان الطاقم التربوي المدرس يضم بالأساس أستاذات وأساتذة إسبان وبعض المغاربة، ونقلت أقسام التعليم الثانوي من  grupo escolarإلى بناية خاصة تقع بالقرب من قاعة السينما الكبير التي بنيت (1948 ) وسط المدينة، والتي تحولت غداة الاستقلال إلى ما يسمى في النظام القديم بالمفتشية (المديرية الإقليمية حاليا)،وبين سنتي 1931 و1932 كانت قد تأسست مجموعة من المدارس أدارها إسبان ومغاربة في كل من إزمورن واسنادة وتارجيست وأجدير وإمزورن وبني بوعياش، إذا استثنينا من ذلك مدرسة تماسينت التي بنيت بتاريخ 20 دجنبر 1940.

وبناء على كتابات إسبانية وشهادات شفهية متوارثة بين أهالي الحسيمة فقد حصل بالفعل تعايش جدير بالتقدير والتنويه على المستوى الديني، إذ يعود تاريخ تأسيس أول كنيسة مسيحية بالمدينة إلى سنة 1932 الواقعة راهنا بالقرب من مدرسة محمد الخامس، وكان جزء منها مخصص لصيدلية عسكرية بعد وفاة أم الملك زمن الحماية الإسبانية، وأول قسيس عين بها هو الأب ميكيل طيثير ElPadre Miguel Tecero، وقد جمعته بالفقيه المسلم السي محند علاقة إنسانية راقية، كانا يلتقيان مساء قبل الغروب بالقرب من الكنيسة يتصافحان ويضعان أيديهما بشكل متشابك، ثم يتجولان عبر الشارع والساكنة من النساء والرجال تنظر إليهما بإعجاب كبير، وعلى الدوام كان الفقيه يدخل إلى الكنيسة ليجلس على كراسيها ويشرب باستمرار من مياهها، وعندما يحل شهر رمضان الفضيل كان القسيس يعير للفقيه مكبر الصوت الوحيد بالمدينة ليستعمله في الآذان، وعندما يعلن خليفة السلطان ووزيره في الأحباس بالحكومة الخليفية عن نهاية شهر رمضان يعتمد على هذا المكبر الصوتي في إذاعة النبأ وكذلك خلال حلول عيد الأضحى المبارك، وبالنسبة لليهود الإسبان والمغاربة فقد كان تجمعهم السكني المسمى بالملاح يقع وسط المدينة قرب محطة البنزين الحالية، وكانت لهم أدوار تجارية واجتماعية هامة بالمدينة وعموم المنطقة، ويشرف على أحوالهم كبيرهم المسمى السرفاتي، وللمقبرة المشتركة الواقعة عند شاطئ صباديا دلالة كبيرة على حقيقة هذا التعايش، إذ لا يفصل بين مقابر اليهود والمسيحيين والمسلمين إلا مجرد أسوار بسيطة، وهي المقبرة التاريخية الأولى والقديمة بالمدينة.

رحيل الإسبان، وتحول كبير في أسماء الشوارع والمدينة :

لكن كما للتاريخ طابوهاته المعلنة وغير المعلنة، له أيضا عقارب لا تنفك عن الدوران قد تتحول فيها الأفراح إلى أحزان يتم فيها التحسر على أمجاد ضائعة، تتحول بعد حين إلى مجرد أضغاث مزعجة وفي أحسن الأحوال إلى ذكرى وأحلام جميلة، فبعد الزيارة الأولى للملك الفونصو الثالث عشر رفقة عقيلته، وخروج الإسبان لاستقباله بحفاوة وهي الزيارة التي أطلق فيها على المدينة اسم “بيا سانخورخو” تكريما للجنيرال الإسباني الذي نجح في احتلالها لأول مرة، لكن حدث ما لم يكن يدور بخلد وذهن الإسبان على الإطلاق، فقد قام المفوض السامي بتطوان الجنيرال ” كارنيا بالينو” بزيارة تفقد ووداع لشمال المغرب وحل بالحسيمة على إيقاع استعراض عسكري كبير أخبر فيها مواطنيه أن حكم إسبانيا بالمنطقة قد انتهى، لنجد نفس الأشخاص رفقة السكان الأصليين المغاربة وبعد مضي ثلاثين سنة وقد تقدم العمر ببعضهم من الإسبان وأصبحوا شيوخا يستقبلون المغفور له السلطان محمد الخامس في 27 أكتوبر 1957، جاء ليعيد الأرض إلى أهلها وأصحابها الشرعيين، وقد بدت على محياهم معالم التأثر والحزن البالغ، نظرا للحنين والشوق وأطياف الذكريات التي تربطهم بالمكان، خاصة وأن معظمهم قد ولد بالمنطقة، رغم أن السلطة المغربية الجديدة لم تجبر أحدا من المدنيين على الرحيل، وقد فضل العديد منهم البقاء بالحسيمة إلى أن دفن بها، مثل أول “معلم” بناء بالمنطقة Blanca والكاتب والمثقف Juan Roman …

وكان أول ماة قام به العاهل المغربي الملك محمد الخامس أن عمل على تغيير اسم المدينة من Villa Sanjurjo  إلى الحسيمة، وتقدم بعدها لوضع حجر الأساس لحي خاص بالسكن الشعبي يسمى ويعرف على المستوى المحلي ب “ديور الملك”، لتنطلق عملية تغيير أسماء الشوارع، وهكذا أصبح شارع الجنيرال العسكري الإسباني “بريمودي ريفيرا” يحمل اسم شارع محمد الخامس، وشارع الجنيرال فرانكو يحمل اسم شارع الحسن الثاني، وشارع الجندي الإسباني الذي ألقى أكبر كمية من الغازات السامة خلال حرب الريف، يحمل اسم شارع عبد الكريم الخطابي، وشارع 23 شتنبر الذي يخلد تاريخ هجوم الإسبان على تغزويت ب “صباديا” واحتلالها، أصبح يحمل اسم القائد المغربي الأمازيغي الذي فتح الأندلس ” طارق بن زياد “، وشارع روذريكس بيسكانسا وهو أول جندي إسباني غرس في اليابسة الراية الإسبانية في صباديا، فقد أصبح يحمل اسم شارع ” الأندلس” الذي يقع حاليا بجوار المركز الرئيسي للبريد بالحسيمة، وشارع الكورونيل موناسيريو الذي أصبح يحمل اسم شارع” مبارك البكاي” الوزير الأول، لأول حكومة مغربية بعد الاستقلال، وشارع كريستف كولون الذي احتل أمريكا وشرد ساكنتها الأصلية، أصبح يحمل شارع “عقبة بن نافع “، وهي كلها أسماء بديلة مستوحاة من تاريخنا الوطني ومن عمق الحضارة المغربية الأصيلة والمشرقة بالأندلس.

 محمد لمرابطي : حقوقي وباحث

مشاركة

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً