الرئيسية كُتّاب وآراء السياق الجديد للقضية الموريسكية والحرب الأهلية الإسبانية

السياق الجديد للقضية الموريسكية والحرب الأهلية الإسبانية

كتب في 3 مايو 2019 - 10:02 م
مشاركة

موضوع الحرب الأهلية الإسبانية التي تأججت نيرانها خلال النصف الأول من القرن العشرين الماضي (1936 – 1936 )، عند طرحها للنقاش والسجال التاريخي والثقافي، ونظرا للعلاقة التي تربط المشاركين فيها من شمال المغرب بالخصوص وجنوبه، فإنها تكتسي لدينا بعدا أحاديا يتم فيه التدقيق على محاور معينة ومحددة، تتعلق بالموقع الذي صيغ قيه قرار التصدي لإنهاء تجربة الجمهوريين الإسبان في الحكم، والأماكن الاستراتيجية الأولى التي خطط فيها لانطلاق شرارة الحرب الأهلية الإسبانية من داخل الأراضي المغربية ( كتامة- قاعدة تاويما العسكرية …)، وكذلك السبل التي انتهجت على يد العسكريين الموالين للجنيرال فرانكو بقصد حمل ساكنة المنطقة الشمالية في المغرب من أجل مشاركتهم في هذه الحرب، وغيرها من العوامل التاريخية والسياسية التي تحيط بوقائع الحدث موضوع حديثنا، ويبلغ الجدل مداه المتألق لدى الخوض في مأساة الحرب الأهلية الإسبانية وما خلفته من ضحايا في صفوف المغاربة المجندين في معمعان هذه المعركة، وما تفتق عن ذلك من الإنتاجات الإبداعية التي جادت فيها القرائح بنظم أشعار حزينة تنم عن نزعة تراجيدية تشخص هول الفواجع التي عاشتها الساكنة، وخيمت من جراء ذلك على أنفسهم ردحا طويلا من الزمن .

الإسبان بين الحرب الأهلية في تداعياتها وأفق تجربتهم في المصالحة الوطنية :

لكن للحرب الأهلية الإسبانية جوانب أخرى ظلت معتمة لدينا وفي طي النسيان والتجاهل، إنه ذلك الآخر أو بالأحرى الإنسان الإسباني الذي اكتوى في بلده تحت طائل حرب قذرة لا تبقي ولا تذر، وهي الحرب التي حصدت ما يزيد عن ستمئة من الأنفس، وكيف أثرت هذه الحرب من جهة أخرى على مسار دولة أوروبية وخلقتها من جديد، بل إنها بصريح العبارة حرب دولية أكثر منها داخلية خاصة، باعتبار أنها جاءت في سياق انتصار الثورة البلشفية في روسيا وانتهاء الحرب العالمية الأولى، كما لا يمكن الاستهانة بالبعد الديني للحرب الأهلية أو التغاضي عنه وما خلفه ذلك من جراح عميقة في وجدان وذاكرة الشعب الإسباني ، وعليه فقد اعتبر انتصار فرانكو في الحرب انتصارا مطلقا لإسبانيا الكاثوليكية، فمن جديد أصبحت الكاثوليكية الدين الرسمي للدولة، سيما وأن رجال الدين الكاثوليك في إسبانيا باركوا وساندوا بشدة الثورة التي قادها القوميون الوطنيون من مناصري فرانكو ضد خصومهم الجمهوريين ابتداء من سنة 1936 .

لذلك أحرقت الكنائس، وقتل الكهنة في الكثير من القرى والبلدات التي فشلت فيها انتفاضة العسكريين، خاصة في كتالونيا التي قتل فيها ثلث رجال الدين، وتحولوا إلى شهداء قديسين، فقد ماتوا وهم يهتفون : تعيش إسبانيا والمسيح والملك، ورغم أنهم كان في مقدورهم الفرار، إلا أنهم رفضوا ذلك، وتعرضت أجسادهم لشتى أنواع التشويه والإذلال، في مقابل ذلك أكد فرانكو أن الانتصار هو الحل الوحيد لبقاء إسبانيا، وأصر على التطهير وضرورة استسلام العدو، ورفض أية وساطة أو عفو .

دون أن نغض الطرف بالطبع عن النهاية المأساوية التي آل إليها إخوانهم في الجمهورية، فقد تقهقر الإخوة الأعداء وهم في حالة من الرعب والهلع نحو الحدود الفرنسية، وقد وصف هذا المنظر المريع رئيس الجمهورية الإسبانية الثانية مانويل أثانيا قبل وفاته بالمنفى في فرنسا سنة 1940 ” ظل ذلك الحشد الهائل المقبل يتنامى إلى أبعاد لا حصر لها، وازدحمت مجموعات مجنونة من الغوغاء في الطرقات، وامتدت إلى الطرق المختصرة بحثا عن الحدود (الفرنسية) … وعانت بعض النساء من الإجهاض على جانبي الطريق، ولقي أطفال حتفهم بسبب البرد أو داستهم الأقدام حتى الموت، ” ومن عل في السماء كانت تحلق طائرات القوميين ممطرة الجمهوريين بوابل من رصاص رشاشاتهم الذي لم يرحم أحدا من فلول الهاربين من جحيم الطلقات النارية، وهم يتهافتون بدون روية نحو مصيرهم المجهول .

أما الاشتراكي خوان نغرين رئيس الوزراء الثالث والأخير للجمهورية في زمن الحرب، والمعروف باعتداله ووسطيته الخالية من الميول الثورية الموجودة لدى كل من الشيوعيين والتيار الفوضوي وبعض المنظمات النقابية المتطرفة، والذي كان يراهن عليه كثيرا في قيامه بدور السلام عن طريق التفاوض مع وساطة دولية، لسبب بسيط لكون الجمهوريين الإسبان شعروا بالأفق المظلم الذي أضحى قاب قوسين أو أدنى منهم وأن الحرب لن تحسم قط لصالحهم، فإنه بدوره لم يتردد من المغادرة نحو فرنسا، لأن السياق الدولي لم يكن يسمح بالتفاوض خلال الحرب الأهلية، وهكذا انتهت الحرب بقضاء أحد الطرفين على الآخر، وطب خوان نغرين السياسي والمثقف قبل لجوئه نحو المنفى ألا يكون هناك أي أعمال انتقام، وهو طلب مستحيل بناء على التصورات والمخططات الموضوعة من قبل فرانكو وزملائه في السلاح .

على الرغم من هذه من هذه الصفحات الموغلة القتامة من تاريخ إسبانيا المعاصر، فإن الإسبان قد دخلوا بعد رحيل قائدهم فرانكوا الذي نجح بالكاد في توحيد شملهم، ضمن مسلسل شجاع من المصالحة الذاتية مع الوطن، ترفعوا فيه عن جراحاتهم القديمة التي أدمت قلوبهم، واتجهوا نحو المستقبل بعد أن آثروا دفن ماضيهم المؤلم وعدم النبش في مجاهله، وذلك بهدف بناء إسبانيا التي دخلت مرحلة جديدة من الديمقراطية والعدالة الانتقالية، وأصدروا قانون العفو، وهي إشارة بليغة إلى الخصوصية التي ميزت التجربة الإسبانية في المصالحة، فالمبتغى الأول والأخير لديهم كان هو إنجاح مسلسلهم الديمقراطي الفتي وقيادته بحكمة نحو بر الأمان، دون إغفال مدى الصعوبات والتحديات التي اعترضت طريقهم في البناء، إذ يتعلق الأمر بالحكامة الأمنية ومؤسسة القضاء وتخليق الحياة السياسية العامة في البلاد .

القضية الموريسكية على ضوء القانون وحقوق الإنسان : 

ويبقى السؤال المطروح، إذا كان الإسبان كأمة وشعب عريق قد أبدوا كل هذا الاستعداد الكبير من التسامح والحق في العيش المشترك، فلماذا لم يتعاملوا بالمثل مع بعض الملفات التاريخية والاجتماعية المماثلة، من قبيل نموذج القضية ” الموريسكية ” التي تنطوي على غبن وتجن واضح حتى على مستوى التسمية، فهي لم تسلم من الدلالة القدحية، إذ رفض هذا المصطلح الباحث الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله في كتابه ” الأندلسيون لا الموريسكيون ” لإحالته بناء على رؤيته على الأصاغر، من المتنصرين أو الجناة، فمن المعلوم أن الموريسكيين هم مواطنون إسبان، كل ما في الأمر وحدث عبر التاريخ كحقيقة لا جدال فيها، هو ميل هؤلاء نحو تدينهم بالعقيدة الإسلامية التي ورثوها أبا عن جد شأنهم شأن اليهود والمسيح، وفجأة صدرت مراسيم تقضي بطرد المسلمين واليهود من إسبانيا وبدأت عملية الهجرة بشكل متدرج خلال عهدي المرابطين والموحدين، ليبلغ التهجير القسري أوجه في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، وتعتبر سنة 1609 المعلمة الفارقة والمؤلمة في مسار عمليتي التهجير والطرد

بعد صدور الأوامر القاضية بالطرد والتهجير لكل من اليهود والمسلمين من أرض الأندلس على يد الملكة إلزابت الكاثوليكية  والملوك الكاثوليكيين، فقد سلك المهجرون طريق الاتجاه بصفة خاصة نحو شمال إفريقيا، واستقر الكثير منهم بالمدن المغربية التالية : بادس ناحية الحسيمة، طنجة وتطوان وسلا وآسفي وأزمور وأنفا ومليلة، إضافة إلى استقرار بعضهم في أوساط قبائل غمارة بمنطقة الريف، وارتباطا مع هذه الوضعية تجدر الإشارة أن مسلمي ويهود الأندلس لم يكونوا عربا فقط، بل كانوا أمازيغا وعربا وأفارقة وأوروبيين

بالفعل لقد كان هناك من الإسبان من تحلى بالموضوعية والجرأة النادرة، ودافع بحماس صادق عن الأندلسيين من اليهود والمسلمين الذين تعرضوا للطرد والتهجير، ولا نكاد نعدم الأمثلة على ذلك فهي عديدة ومتنوعة شملت حتى أصحاب الأجناس الإبداعية والعلوم الإنسانية وحضر ذلك أيضا في بعض الخطابات السياسية المقدامة، نظير مبادرة النائب البرلماني خوصي أنطونيو بيريص طابيا في سنة 2015 حيث اقترح قانونا غير ملزم يقر الاعتراف مؤسساتيا بالظلم الذي ذهب ضحيته الموريسكيين المهجرين، فكان نصيبه أن تعرض لحملة من الانتقاد الشديد، لخوضه في موضوع له صلة بالتاريخ والذاكرة، هذه الأخيرة التي أصبحت تفرض عليها مسالكها العلمية والموضوعية الانتصار لهذا الملف الذي يحبل بالمظلومية الماسة بحرية المعتقد والتدين .

وهي كلها مساعي ترمي في توجيه سهام النقد اللاذع للائحة نقاء الدم وبالتالي لقرار طرد الموريسكيين، خاصة بعد تجذر وتبلور الوعي الحقوقي المعاصر، والذي زاد الطين بلة المعاناة التي قاسى منها هؤلاء الوافدون في البلدان التي لجؤوا إليها أو حلوا بها، فرغم تألقهم الثقافي ونجاحهم الفائق في عالم التجارة وحذقهم للصنائع، الأمر الذي ساهم في تملكهم للأموال وفي منافستهم وإزاحتهم لطبقات كاملة من التجار المحليين، فإن ذلك لم يشفع لهم من إقامة مدن وتجمعات سكنية خاصة بهم، وحالت وضعيتهم الجديدة في بعض البلدان التي هاجروا إليها دون نجاحهم في الوصول إلى تشكيل طبقة مدينية حضرية، وهي النخبة التي يمكن إدراجها في خانة الطبقات الاجتماعية الوسطى بناء على التحليل السوسيولوجي والأنتروبولوجي للأستاذ عبد الله العروي .

أما على مستوى التشريع الإسباني الذي يرتبط بمنظومة حقوق الإنسان وبدستور إسبانيا المتقدم لسنة 1978 ، فإن إسبانيا أقدمت في سنة 2015 على خطوة غير مسبوقة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها انتقائية وذات منحى تمييزي، حيث يتعلق الأمر بتعديل القانون المدني الإسباني في 12 يونيو 2015 ، وهو تعديل يقضي برد الاعتبار فقط لذاكرة السيفاراديم دون الأخذ بعين الاعتبار ذاكرة الموريسكيين، أي المسلمين الأندلسيين الذين أرغموا على مغادرة ديارهم والرحيل من وطنهم وهم مذعنين تحت طائل الإكراه وسطوة إعمال التعسف، على الرغم من تقاسمهم واشتراكهم في محنة الطرد والإجلاء من فوق تراب وطنهم .

وينضاف إلى كل هذه العوامل السابقة الذكر، كون جل الدراسات والأبحاث ذات الصلة بالقضية الموريسكية لا يزال يغلب عليها الطابع الثقافة الأدبية والتاريخية وملامح من الفنون الإبداعية التي لا تلقي بأضواء كاشفة على الموضوع، إذا استثنينا جهود مؤسسة ذاكرة الأندلسيين، التي نجحت في تنظيم ندوة علمية دولية إبان سنة 2016 تحت شعار : ” القضية الموريسكية في ضوء التشريع الإسباني ومنظومة حقوق الإنسان ” وهي الندوة والعمل اللذين أعادا طرح القضية الموريسكية ربما لأول مرة، وبقوة على ضوء القانون، ومبادي حقوق الإنسان الكونية المعاصرة، لكون القضية تعتبر في أدبيات العدالة الانتقالية دينا في تاريخ الدولة الإسبانية ينبغي الوفاء به لصالح القضية الموريسكية، مع ما يمكن أن يستتبع ذلك في ثقافة حقوق الإنسان من واجب تقديم الاعتذار في ملف الموريسكيين والمصالحة الإيجابية مع التاريخ، كما تصالحوا مع أبنائهم وذواتهم بعد خروجهم من رحى الحرب الأهلية وانتهاء فترة حكم رئيس دولتهم، الجنيرال فرانسيسكو فرانكو، ودخولهم في مرحلة جديدة من الديمقراطية خلال بداية الثمانينيات من القرن الماضي .

 

مشاركة

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً