الرئيسية كُتّاب وآراء درداري: اشكالية التعليم بالمغرب.. إملاء دولي و واقع اجتماعي يمتحنان دور الدولة الاجتماعي

درداري: اشكالية التعليم بالمغرب.. إملاء دولي و واقع اجتماعي يمتحنان دور الدولة الاجتماعي

كتبه كتب في 8 ديسمبر 2019 - 9:21 م

في كل العصور وفي جميع الانظمة تتكلف الدولة  بتدبير قطاع التعليم باعتباره شأن مجتمعي يرفض تلقين الاطفال معارف تسيئ الى تكوين شخصيتهم وتربيتهم على التمييز والمعاداة أو الرفض للآخر، أو ابعادهم من وطنيتهم وولائهم للنظام الحاكم، حيث تفرضه الأنظمة الاشتراكية بشكل اجباري و متساوي بين جميع المواطنين، وفي الأنظمة الليبرالية تنقسم الدول  الى دول متدخلة جزئيا في التعليم ودول دركية توفر حرية الاختيار للفرد نوع التعليم  بناء على رغبته ووفق طاقاته المادية، في حين نجد الدول المتدخلة أو الموجهة تتكلف بتعليم الفئات الفقيرة لمدة  محددة – ففي بريطانيا مثلا تخصص 8 سنوات لتعليم الفقراء مجانا-  بينما الدول المتخلية فتفصله عن السيادة مكتفية بحفظ الأمن وتحصيل الضرائب حيث يحل القطاع الخاص محل الدولة و الأسرة هي التي تتحمل التكاليف مما يجعل  الظروف الاجتماعية  تعيق ولوج المدرسة بشكل متساوي بين المتعلمين نظرا للتفاوتات الطبقية، فتكتفي الدولة فقط بسن سياسة حكومية فوقية لتأطير قطاع التعليم ويتم غالبا تسييسه عن بعد، وكل حكومة تقدم تصورها وتضع وزيرا على القطاع لا ينسجم مع ما ترغب فيه بنيته الوزارة البشرية المسيسة والمنقبة  كذلك، كما هو الحال في المغرب حيث الدولة تكفل التعليم حسب المقتضيات الدستورية  عن طريق سن سياسة متكاملة لتعليم ذي جودة وميسر الولوج واعتماد التوظيف.

ان الدستور يضمن في بابه الثاني مجموعة من الحقوق والحريات التي تلقى على عاتق الدولة مهمة صيانتها ومنها ضمان المساواة بين المواطنين، والسهر على ضمان تكافؤ الفرص للجميع، والرعاية الخاصة للفئات الاجتماعية الأقل حظا، والتي لا تقوى على تحمل تكاليف الحياة المتعددة(1)، اضافة الى اعتبار التعليم الاساسي حق للطفل وواجب على الدولة والأسرة(2)، ذلك أن الاتفاقيات الدولية تلزم المغرب باحترام حقوق الانسان في هذا المجال، خصوصا وأن الامر يرتبط بالسياسة التعليمية التي هي من اختصاص الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بصفتها تتمتع بشخصية معنوية عامة،  ويسري عليها القانون الاداري، وهي مطالبة بتعبئة كل الوسائل لتحقيق المساواة في الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة، الشيء الذي يجعل منه آلية للتنشئة على الارتباط بمرافق الدولة والتشبث بالتملك الروحي للتراب والثوابت الوطنية الراسخة ومنه بناء كفاءات وأطر تلج الوظائف العمومية حسب الاستحقاق(3).

التوظيف بالتعاقد املاء دولي ومتناقض مع أهداف التعليم العمومي.

سبق لصندوق النقد الدولي في العشرية الأخيرة من القرن العشرين أن أملى على المغرب اعمال المغادرة الطوعية بهدف التخفيف على ميزانية الدولة، وبعد حوالي عقدين من تنفيذ قرار المغادرة الطوعية الذي كلف خزينة الدولة مبالغ مالية كبير عاد صندوق النقد الدولي ادراجه ليعتذر للمغرب ويقر بأن قرار المغادرة الطوعية لم يكون في محله، وهذا من المفروض أن يتحمل عواقبه ويعوض المغرب عن آثار وتبعات أزمة لم تكون ممكنة الوقوع لولا قرار صندوق النقد الدولي المرتبط بالمغادرة الطوعية، التي فرضت اليوم على المغرب اعتماد التوظيف بالتعاقد.

ان التوظيف بالتعاقد في مجال التعليم يتعارض مع الأهداف النبيلة للثقافة الوطنية  ومع ما قد يؤثر على الارتباط  بالهوية التي يعتبر الأستاذ محورها وأهم مهندس للروح الوطنية المنتجة والمبدعة، والدستور يلزم الدولة وكافة المواطنين والمواطنات باحترام المقتضيات الدستورية والتقيد بدولة القانون عند ممارسة الحقوق والحريات الفردية والجماعية وبروح المسؤولية والمواطنة الملتزمة من خلال ربط الحقوق بالواجبات(4). وعلى العكس من هذا  سيفقد معه المواطن صلته الحقيقية بجاذبية الثوابت ما دام التعليم هو الرابط الحقيقي والشرعي بين المواطن و الدولة، وأي تخلى عن دعم القضية الأهم بالنسبة للشعب وتعليم المواطن نفسه بنفسه دون امكانيات سيفرز شريحة اجتماعية تحس بعدم جدوى الانتماء للوطن والانفصال المباشر عن الدولة بسبب تخليها عن وظيفتها الاجتماعية واحتفاظها بدور المنشط.

المؤسسات الدستورية مسؤولة عن حماية التعليم العمومي.

  • البرلمان.

فالبرلمان بصفته ممثلا للشعب يختص بالتشريع في مجال الوظيفة العمومية وتحديد التوجهات والتنظيم العام في مجال التعليم(5)، لكن البرلمان يبدو غير مدافع عن حق الشعب في التعليم العمومي رغم أنه ولد من رحم الانتخابات العامة والتزام الأحزاب بالدفاع عن مطالب المواطنين، كما يبدو غير مهتم رغم وجود نصوص دستورية حددت دوره التشريعي بما في ذلك اشراك المعارضة عن طريق تقديم مقترح قانون في مجال التشريع.

  • المجلس الوزاري.

و للمجلس الوزاري دور مبهم حيث يتداول  فقط في مشاريع القوانين الاطار المشار اليها في الفقرة الثانية من الفصل 71  من الدستور، مما يعني حجب السياسة التعليمية عن اهتمام المجلس الوزاري الذي يرأسه جلالة الملك، وللحكومة سلطة  الرفض بعد بيان الاسباب والمقترحات التي يتقدم بها اعضاء البرلمان اذا كان قبولها يؤدي الى تخفيض الموارد العمومية او الى احداث تكليف عمومي او الزيادة في تكليف موجود(6).

  • المجلس الحكومي.

بينما المجلس الحكومي غالبا يقوم بتسويق سياسي كون المدرسة العمومية مكلفة لخزينة الدولة وان التعليم العمومي سيؤدي الى افلاسها لذا ينبغي التخلص منه على مراحل، والمجلس الحكومي يمكنه تحت رئاسة رئيس الحكومة التداول في السياسات العمومية وفي القضايا المرتبطة بالنظام العام واحترام مبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والكفاءة والشفافية في التوظيف(7)، وتخصص جلسات بمجلسي البرلمان لطرح الاسئلة على الحكومة مرة واحدة كل شهر وتقدم اجوبتها امام المجلس الذي يعنيه الأمر، بينما تقييم السياسات العمومية فتعقد جلسة واحدة كل سنة(8). والتوظيف بالتعاقد يعني تحويل الموارد البشرية التي تكونت بالمال العام الى الاشتغال بمنطق القانون الخاص، وحتى التوظيف الجهوي يفتقر الى التسويق الكافي وهو ما يعني أن انتقال الدولة بدون وجود نظرية متكاملة ومقنعة وجادة لترسيخ توجه الدولة الجديد الهادف الى جعل التعليم  ترابي جهوي صرف الشيء الذي يثير تعارض نظامين للتوظيف الأول مركزي والثاني جهوي.

القضاء الدستور مسؤول عن الحفاظ على دستورية التعليم.

والمحكمة الدستورية تختص بالنظر في عدم دستورية قانون أثير أثناء النظر في قضية، لاسيما اذا تعارض مع الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور(9)، والقانون الذي يطبق في التوظيف بالتعاقد غير دستوري لأن العمل لا يكون وظيفة وعملا بالتعاقد في نفس الوقت وتدخل القضاء الدستوري ضروري للفصل في عدم دستورية القانون المطبق في التوظيف الجديد في قطاع التعليم. وأيضا الحفاظ على الصيغة التي حددها المشرع الدستوري حول التعليم العمومي ونوعيته والتزامات الدولة بشأنه.

 للجماعات الترابية اسهاما في مجال التعليم.

وتتوفر الجهات والجماعات الترابية هي الأخرى على موارد ذاتية ومالية مرصودة من قبل الدولة، حسب كل اختصاص نقلته الدولة اليها، ويكون مقرونا بتحويل الموارد والحلول محل الدولة بما يعني الحفاظ على القطاعات العمومية وصرف المال العام في الوظائف العمومية مما يعني عدم دستورية صرف المال العام بمنطق القطاع الخاص.

لمؤسسات الحكامة حق ابداء الملاحظات.

وطبقا  للفصل 141 من الدستور فيما يتعلق بمبادئ الحكامة تتلقى المرافق العمومية ملاحظات مرتفقيها واقتراحاتهم وتظلماتهم وتؤمن تتبعها(10)، والاحتجاجات والتظاهر السلمي والاضراب هو نوع من أنواع الضغط في حالة خرجت سياسة عمومية عن اطارها القانوني وعدم الاصغاء للمطالب  والملاحظات المتماشية مع القانون.

الأهمية المحدودة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.

وتجدر الاشارة الى ان المجلس الاعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لكونه المختص بإبداء الرأي حول كل السياسات العمومية والقضايا الوطنية التي تهم التربية والتكوين والبحث العلمي وكذا حول الاهداف التي تتوخاها المرافق العمومية وسيرها، ولكونه أيضا  يساهم في تقييم السياسات والبرامج العمومية في هذا المجال(11)، فان رأي هذه المؤسسة  يبقى غير واضح في تحديد معالم تعليم مثبت للانتماء وللهوية الوطنية ويتعرض للمساس من طرف صانع القرار السياسي أمام أنظاره وسائر مؤسسات السيادة.

أهمية دور النقابات المركزية في الترافع حول التعليم العمومي.

وبالعودة الى محددات التفاوض مع المركزيات النقابية بشأن التوظيف بالتعاقد فينبغي التمييز بين مهام النقابات في الدفاع عن حقوق الموظف العمومي في مواجهة الدولة علاقة بقانون الوظيفة العمومية والدفاع عن حقوق الشغيلة في مواجهة أرباب العمل طبقا لمقتضيات مدونة الشغل، حيث تنص المادة الاولى منها ان الشغل بالتعاقد يمكن ان يسري على المؤسسات التابعة للدولة والجماعات المحلية التي تبرم عقود شغل كما أن مدونة الشغل (12)تعتبر الأجير كل شخص التزم ببذل نشاطه المهني تحت تبعية مشغل واحد أو عدة مشغلين أيا كان نوعه وطريقة أدائه، ويعد مشغلا كل شخص طبيعي أو اعتباري خاصا كان أو عاما يستأجر خدمات شخص ذاتي واحد أو أكثر.

وعليه فان الدستور يسند الى المنظمات النقابية للأجراء والغرف المهنية والمنظمات المهنية للمشغلين مهمة الدفاع عن الحقوق والمصالح الاجتماعية والاقتصادية للفئات التي تمثلها(13)، كما تعمل السلطات العمومية على تشجيع المفاوضات الجماعية وعلى ابرام الاتفاقيات المتعلقة بالشغل الجماعي وفق الشروط التي ينص عليها القانون.

ان ادارة الحوار الاجتماعي بشأن ملف الأساتذة المتعاقدين أو الأطر التربوية الجهوية بين المركزيات النقابية ووزارة الداخلية يتم في اطار قانوني ويخرج الحوار من تسييس هذا الملف وهو ما جنب البلاد المزيد من الاحتقان، كما أنه تفاوض تم خارج سكة التفاوض بالعودة الى التأصيل الدستوري للحق في التعليم وعلاقة قطاع التعليم بدور الدولة  الذي لا يقبل التخلي عنه كليا، بل مفروض ان يكون مستوى القطاع الخاص أقل من مستوى القطاع العام ويسمح بالتنافس بينهما على أساس تكافؤ الفرص لجميع المواطنين ومراعاة الوضعية الاجتماعية بينهما للجميع.

خاتمة.

واليوم ستعرض الحكومة قانون الاطار 51.17 على المجلس الوزاري من أجل التأشير عليه بعد مشاورات بين المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي والبرلمان بهدف اصلاح منظومة التعليم 2015.2030 مما سيطرح معه حدود الالزامية والمجانية، ونوع وحدود مساهمة الاسر في التعليم الثانوي والعالي الخارجين عن المجانية، وبهذا يكون المغرب أمام قرار صندوق النقد الدولي من جديد في مغرب تنقصه الشفافية والمحاسبة والتفكير المشترك ستكون له اعتذارات اخرى ومراجعة من نوع آخر بعد فشل تحقيق الأهداف.

الهوامش:

  • الفصل 35 من الدستور
  • الفصل 32 من الدستور
  • الفصل 31 من الدستور
  • الفصل 37 من الدستور
  • الفصل 71 من الدستور
  • الفصل 77 من الدستور
  • الفصل 92 من الدستور
  • الفصل 101 من الدستور
  • الفصل 133 من الدستور
  • الفصل 165 من الدستور
  • الفصل 168 من الدستور
  • المادة 8 من مدونة الشغل
  • الفصل 8 من الدستور.

مشاركة
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .