في زمن الدولة التي تراهن على الشرح قبل القرار، وعلى التواصل بدل الصمت، يبدو أن بعض المؤسسات ما زالت تفضل الاختباء خلف الجدران، كأن السؤال عيب، وكأن الرأي العام خصم. ما يجري بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان في ملف “الزمن الميسر” ليس فقط إشكال تنظيم أو اختلاف تأويل، بل فشل صريح في التواصل مع الطلبة ومع الرأي العام، فشل يزداد وضوحًا حين نقارنه بما فعلته مؤسسة جامعية شقيقة داخل الجامعة نفسها.
في الوقت الذي اختارت فيه كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة أن تتواصل علنًا وببلاغ مكتوب، تفند فيه ما اعتبرته “مغالطات” متداولة حول رسوم التسجيل بسلك الماستر في إطار الزمن الميسر، وتؤكد التزامها التام ببلاغ الوزارة الوصية وتوصيات ندوة رؤساء الجامعات، ظلت كلية الحقوق بتطوان صامتة. لا بلاغ، لا توضيح، لا شرح، ولا حتى محاولة لتبديد الأسئلة التي تتناسل يومًا بعد يوم.
بلاغ طنجة لم يكن معقدًا ولا طويلاً، لكنه كان واضحًا: نفي قاطع لما وصف بالتجاهل، تأكيد الالتزام بإعفاء الموظفين والأجراء الذين لا يتجاوز دخلهم الحد الأدنى للأجور متى توفرت الشروط القانونية، دعوة المعنيين إلى الإدلاء بالوثائق اللازمة، إمكانية تمديد آجال التسجيل مراعاةً لخصوصية الطلبة الموظفين، والتشديد على أن كل الإجراءات تتم في إطار الشفافية وتكافؤ الفرص، مع الاحتفاظ بالحق في سلوك المساطر القانونية ضد التضليل. هكذا، وببساطة، أغلقت الكلية باب التأويل وفتحت باب المعلومة.
في تطوان، حدث العكس تمامًا. صمت مطبق في لحظة كانت تحتاج إلى كلمة، وإلى بلاغ، وإلى جملة واحدة تقول للطلبة: نحن هنا، نسمعكم، ونشرح لكم. لكن الصمت، حين يطول، لا يبقى حيادًا، بل يتحول إلى موقف. موقف يترك الساحة في شك، ويعمق الضجة، ويجعل كل سؤال مشروع وقودًا لتأويلات أكبر.
المفارقة أن المؤسستين تنتميان إلى الجامعة نفسها، جامعة عبد المالك السعدي، وتحتكمان إلى المرجعية الوزارية ذاتها. ومع ذلك، اختارت إحداهما منطق التواصل الاستباقي، فيما اختارت الأخرى الانغلاق. الفرق هنا ليس في النصوص ولا في القوانين، بل في فلسفة التدبير: هل نعتبر التواصل عبئًا أم أداة؟ هل نرى في الطالب طرفًا يجب إقناعه أم متلقيًا عليه أن يصمت؟
إن فشل التواصل لا يقل خطورة عن فشل التنظيم. بل قد يكون أخطر. لأن التنظيم يمكن تصحيحه بإجراء، أما التواصل حين يغلق، فإنه يضرب الثقة في العمق. وكلية الحقوق بتطوان، بصمتها، لم تنه الجدل، بل غذته. لم تحم صورتها، بل تركتها رهينة ما يتداول عنها.
ليس المطلوب من الإدارات الجامعية أن ترضي الجميع، ولا أن تدخل في سجال مع كل تعليق. المطلوب فقط أن تشرح. أن تقول ماذا تفعل ولماذا تفعل. هذا ما فعلته طنجة، فانتهى النقاش عندها تقريبًا. وهذا ما لم تفعله تطوان، فاستمر السؤال واتسعت الدائرة.
الجامعة، في النهاية، ليست سلطة صماء. هي فضاء عمومي للمعرفة، وأول اختبار لمصداقيتها يبدأ من قدرتها على التواصل. حين تختار مؤسسة الصمت، فإنها لا تحمي نفسها، بل تترك الآخرين يكتبون روايتها بدلًا عنها. وفي زمن المنصات والبلاغات والشرح المباشر، يصبح الصمت خطأً تدبيريًا لا يقل فداحة عن أي قرار غير معلل.
الدرس بسيط، وقد قدم من داخل البيت الجامعي نفسه، كما تبينه المقارنة التي تتابعها شمال بريس في هذا الملف: فالتواصل ليس ضعفًا، بل قوة. والمؤسسة التي تختار الشرح تنهي الجدل، أما التي تلوذ بالصمت، فإنها لا تحمي نفسها، بل تفتح الباب أمام ضجيج وتساؤلات لا تنتهي.

