Site icon Chamalpress | شمال بريس

حين يُستدعى الاصطفاف لإسكات السؤال.. كيف تحول نقد تدبير كلية الحقوق بتطوان إلى حملة ضغط على الصحافة

في قراءة هادئة للتعليقات التي أعقبت نشر مقال بصفحة جريدة شمال بريس على الفايسبوك حول تدبير كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان، يرى بعض المتتبعين أن ما جرى لم يكن نقاشًا طبيعيًا حول مضمون صحفي، بقدر ما كان محاولة ضغط واضحة المعالم. محاولة استخدمت فيها تعليقات منسقة، وطلبة ودكاترة محسوبون على العمادة، لإرسال رسالة مزدوجة مفادها تخويف الجريدة من جهة، وإيهام الرأي العام بأن ما نشر “مغالطات” لا تحظى بثقة الوسط الجامعي من جهة ثانية.

غير أن هذا الأسلوب، مهما اتّسم بالصخب والكثافة يظل هشًّا من حيث المضمون، فالمصداقية لا تبنى بالاصطفاف ولا بتكرار الخطاب نفسه، ولا بتحويل عدد محدود من الطلبة إلى ما يشبه ذبابًا إلكترونيًا يعيد العبارات ذاتها، بل تبنى بقدرة المعنيين على تفنيد الوقائع بمعطيات دقيقة وقابلة للتحقق، وإلى حدود الساعة لم تقدم عميدة الكلية أي أجوبة واضحة عن الأسئلة الجوهرية التي طرحت بشكل مباشر.

وبمنطق الوقائع لا الانطباعات، وإذا كانت مقاطعة الامتحانات تعود—باعتراف بعض المعلقين أنفسهم—إلى سنة 2017، فيما جرى تعيين عميدة الكلية في 8 مارس 2023، فإن السؤال المشروع لا يطرح بصيغة الاتهام، بل بصيغة المحصلة، ماذا تغير منذ تولّيها المسؤولية؟ وأي اختلال جرى تصحيحه؟ القراءة التي يقدمها متتبعون للشأن الجامعي ترى أن التدبير الحالي لم ينجح في معالجة الأعطاب المتراكمة، بل إن مؤشرات متعددة توحي بأن هذه الأعطاب تفاقمت، وأن الأزمات القديمة أعيد إنتاجها في صيغ أكثر حدة.

ومن هنا تتفرع أسئلة لا تزال بلا جواب، لماذا أغلقت قنوات التواصل الرسمية مع الطلبة ومع أغلبية الأساتذة داخل الكلية؟ ولماذا اختير حجب التعليقات بالصفحة الرسمية للكلية على الفايسبوك كوسيلة لإسكات التساؤلات اليومية التي يطرحها الطلبة بدل الإجابة عنها؟ ما تفسير تعثر إرجاع النقط داخل الآجال القانونية رغم أنها حق بيداغوجي لا يقبل التأجيل؟ وما وضعية ماستر “الزمن الميسر” الذي ينتهي أجل التسجيل فيه اليوم الخميس 15 يناير 2026، دون توضيح شافٍ لمصير الطلبة الموظفين الذين أدوا مستحقاتهم ويعيشون حالة قلق حقيقي بشأن مسارهم الأكاديمي؟ ثم في مستوى لا يقل حساسية، ما تفسير اختيارات التوظيف التي يرى بعض المتتبعين أنها اتسمت بالمحاباة والقرب من دوائر القرار داخل العمادة؟ هذه ليست أسئلة كيدية ولا بحثًا عن صدام، بل أسئلة منطقية أصبح الكل يتساءل عنها داخل وخارج الكلية، ومن يملك الجواب لا يهرب إلى الصمت ولا إلى الاصطفاف بل يواجه الوقائع كما هي.

الأخطر، في نظر المتتبعين، أن رد المعلقين لم يتجه نحو تفنيد المعطيات، بل نحو التشكيك في صحافة تمارس عملها داخل الشرعية القانونية الكاملة، وتتوفر على ملاءمتها القانونية وبطاقات صحافة مهنية صادرة عن المجلس الوطني للصحافة، وتشتغل بطاقم تحريري يحترم أخلاقيات المهنة وثوابتها، وهو تشكيك لا يمس الجريدة فقط بل يطال مبدأ الصحافة الجادة التي تضع الإصبع على مكامن الخلل التي تعيق السير العادي للمؤسسات، لا بدافع الخصومة، بل دفاعًا عن الصالح العام.

فالانتقال من مناقشة التدبير العمومي إلى مهاجمة الصحافة التي تنبه إلى اختلالاته لا يسقط الوقائع بل يؤكدها، ولو كانت المعطيات غير صحيحة لكان الرد أبسط وأكثر إقناعًا عبارة عن أرقام دقيقة، تواريخ واضحة، وتوضيحات مؤسساتية مسؤولة، وتواصل دائم يحرص على إطلاع الرأي العام الجامعي على المعطيات المؤكدة، وقطع الطريق أمام الإشاعات أو التأويلات غير الدقيقة. أما التشكيك في النوايا بدل قوة الحجة فلا يحصن المؤسسة بل يضعها في موضع الشبهة، لأن الصحافة التي تحترم القانون، وتنسجم مع التوجيهات الملكية الداعية إلى مغرب يتقدم بسرعة واحدة لا بسرعتين، ليست عائقًا أمام الإصلاح بل شرطًا من شروطه.

وفي سياق مواز حاول بعض المعلقين نقل مركز المساءلة إلى الوزير الوصي مطالبين الجريدة بمساءلته عن مقاطعة الامتحانات، وهو طرح يرى فيه متتبعون قفزًا واضحًا على مبدأ ربط المسؤولية بمستوى القرار. فالوزارة تضع الإطار العام وتحدد السياسات الكبرى، غير أن تنظيم الامتحانات، وضبط البرمجة، والتواصل مع الطلبة، واحتواء حالات الاحتقان، تظل اختصاصات محلية مباشرة موكولة للعمادة، التي تتقاضى أجورها من المال العام مقابل تدبير هذا المرفق. وعليه، فإن مساءلة الوزير لا يمكن أن تستعمل ذريعة لإعفاء من كان بيده القرار التنفيذي حين قوطعت الامتحانات من مسؤوليته المباشرة.

أما الادعاء بأن جريدة شمال بريس “تضخم الوقائع” أو “تتحامل” فالوقائع وحدها كفيلة بالرد، فالتضخيم يفترض المبالغة في غير الموجود، بينما ما جرى كان أحداثًا ملموسة تمثلت في امتحانات قوطعت، برمجة تغيرت، بلاغ صدر بعد اتخاذ القرار لا قبله، وملفات ما تزال مفتوحة سنتطرق لها فيما بعد. هذه ليست صناعة أزمة بل تسمية للأشياء بأسمائها، أما اتهام الجريدة بـ“اختلاق الأزمة” أو “تشويه العمادة” فهو قلب للأدوار، لأن الأزمة لم تخلق في موقع أو صفحات الجريدة، بل ظهرت في المدرجات ولوائح التأجيل وارتباك البرمجة وغموض ملف ماستر الزمن الميسر، إضافة إلى ما يتداول حول توظيفات بمنطق المحاباة.

ويضيف بعض المتتبعين رصد بروز ما يوصف بـ“الذباب الإلكتروني” المرتبط بالعمادة، حيث تحولت منصات التواصل إلى فضاء للدفاع المنسق عن الأشخاص لا عن الوقائع، وهي ممارسة إن صحت لا تحصن المؤسسة بل تضعفها، فالطلبة ليسوا أدوات في حملات التلميع، ولا مهمتهم الدفاع عن تدبير لا يملكون قراره، بل التحصيل العلمي والتكوين. وزمن العبودية الرمزية وحمل الحقائب للمسؤول والاصطفاف الأعمى، قد انتهى.

كما يسجل أن عددًا من المعلقين تجاهلوا كليًا نقطًا جوهرية أثيرت في المقال، وعلى رأسها ما يتم تداوله حول محابات محتملة همت توظيف أو إدماج أسماء قريبة من دوائر القرار داخل العمادة، في مساس—حسب هذه القراءات—بمبدأ تكافؤ الفرص والاستحقاق. إضافة إلى تساؤلات مشروعة حول بعض الاختيارات البيداغوجية من قبيل إسناد تدريس مواد كاللغة الإنجليزية لطلبة القانون من طرف طلبة باحثين في سلك القانون وليس الانجليزية، في غياب أي توضيح مؤسساتي حول المعايير المعتمدة واحترام منطق التخصص والكفاءة.

وفي هذا الإطار، يستحضر متتبعون للشأن العام الجامعي ما أكد عليه جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في أكثر من خطاب، حين شدد على أن المؤسسات العمومية لا تقاس بالواجهة ولا بالخطاب، بل بمدى تحمل مسؤوليها لمسؤولياتهم وربط السلطة بالمحاسبة. وهي توجيهات تجعل من الاعتراف بالاختلال مدخلًا للإصلاح، لا ذريعة للإنكار، ومن الشفافية شرطًا لبناء الثقة لا عبئًا يتهرب منه.

وتؤكد جريدة شمال بريس في هذا المقال، أنها لا تخوض معركة أشخاص ولا ألقاب، ولا تستهدف الكلية ولا العمادة بعينها، بل تشتغل بمنطق واحد وهو المعطى قبل الانطباع، والوقائع قبل الثقة المعلنة. ومن يملك الحقيقة لا يحتاج إلى حملات دفاع ولا إلى تخويف الصحافة، بل إلى جواب واضح، لأن القاعدة بسيطة “من يملك الجواب، لا يخشى السؤال”. أما تحويل السؤال إلى خصومة والوقائع إلى “تحامل”، فلن ينقذ التدبير، بل سيعمق أزمة ثقة باتت باعتراف الجميع عنوان المرحلة.

يتبع…

Exit mobile version