في عالمٍ مواز لا تحكمه قوانين المنطق، ولا تعترف به نشرات الأخبار، يعيش هشام جيراندو على إيقاع “مصادره الخاصة”، تلك الكائنات الأسطورية التي لا تظهر إلا له، ولا تنطق إلا بما لا يخطر على بال أكثر كُتَّابْ الخيال جرأة.
من بين مصادر جيراندو أسماءً تبدو من عالم آخر: “بيرس”، و”طوم هاردي”، وحتى “غوارديولا”… وكأننا أمام مؤتمر صحفي هوليودي–كروي–أمني، لا ينقصه سوى ترجمة فورية من كوكب آخر.
هذه المصادر، بحسب ما يروّجه جيراندو، لا تأتيه إلا بالعجائب: توظيفات خارقة لعائلة عبد اللطيف حموشي، ترقيات قياسية تتجاوز قوانين الإدارة والفيزياء، وتطبيقات غامضة بأسماء عالمية مثل “بتكوين” و“فارغو”، وقصص ممتلكات تظهر وتختفي بحسب حرارة البث المباشر. أخبار كهذه، لو قُدمت لمسلسل درامي لرفضها المخرج بدعوى “المبالغة غير المُقْنِعَة”.
المثير في هذه الأخبار أنها، بدل أن تُربك الجهات المستهدفة، غالبًا ما تنعكس سلبًا على من يروّجها. فالمصداقية، حين تُستنزف، لا تُستعاد بكثرة الفيديوهات، ولا بحدة الخطاب، ولا بجرأة الاتهامات، بل بالصلابة والوضوح في الأدلة.
عندما يتكرر الخطأ، يتحوّل إلى اختيار، وعندما تتراكم الإشاعة فوق الإشاعة، لا تصبح مجرد زلّة، بل منهجًا متعمّدًا، عند هذه النقطة تحديدًا يقف هشام جيراندو، ما يقدّمه ليس أخبارًا، ولا تحقيقات، ولا حتى تسريبات بالمعنى التقليدي، بل سرديات جاهزة تُبنى من فراغ، تُضخ للرأي العام لا يدعمها دليل واحد.
الحديث هنا لا يتعلق بحرية التعبير، ولا بنقد السلطة، وإنما يتعلق بشيء أبسط وأوضح: الكذب حين يُقدَّم على أنه معلومة.
اليوم، لم يعد أسلوب جيراندو يضلل أحدًا سوى من يريد أن يُضلل. الرأي العام يمتلك حسًّا نقديًا، ويعرف أن من يملك الحقيقة لا يختبئ وراء الغموض ولا يخاف من الوثيقة.
والنتيجة كانت واضحة، تآكلت مصداقيته، ولم تعد ادعاءاته تُناقش بجدية، بل تُستقبل بالسخرية وتُفكك على مواقع التواصل في دقائق، لتتحول ما كان يوصفه ب “الفضيحة الموعودة” إلى مادة هزلية.
في النهاية، هناك قاعدة لا تتغير مع الزمن إما أن تملك الدليل، أو تصمت. فالصراخ بلا حجة ليس شجاعة، بل اعتراف غير معلن بالإفلاس.

