لم يعد التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا محصورا في تبادل المعطيات أو التنسيق الظرفي، بل تطور خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج متقدم من الشراكة العملياتية، تُترجم ميدانيا عبر تدخلات مشتركة تستهدف تفكيك الخلايا الإرهابية وإجهاض مخططاتها قبل دخولها حيز التنفيذ.
هذا التحول النوعي تجسد بوضوح في العملية الأمنية الأخيرة التي أسفرت، الأربعاء الماضي، عن تفكيك خلية إرهابية تنشط بين طنجة ومايوركا، حيث نُفذت تدخلات متزامنة مكّنت من توقيف عناصر الخلية داخل التراب المغربي، بالتوازي مع اعتقال زعيمها في إسبانيا، استنادا إلى معلومات استخباراتية دقيقة ومشتركة.
وتفيد المعطيات المتوفرة بأن هذه الخلية كانت ضالعة في تقديم الدعم اللوجستي والتمويل لعناصر مرتبطة بتنظيم “داعش” في منطقة الساحل الإفريقي، مع وجود مخططات لتنفيذ عمليات إرهابية داخل التراب الإسباني، وهو ما يعكس الطبيعة العابرة للحدود للتهديدات الأمنية الراهنة.
وبحسب معطيات رسمية، فقد أسفر التعاون بين البلدين منذ سنة 2014 عن تفكيك أزيد من 30 خلية إرهابية، في حصيلة تؤكد فعالية هذا النموذج الأمني المشترك في تحييد المخاطر الاستباقية وحماية أمن الضفتين.
في هذا السياق، يرى طارق أتلاتي، رئيس المركز المغربي للأبحاث والدراسات الإستراتيجية، أن تفكيك خلية تنشط بين المغرب وإسبانيا “لا يمكن اعتباره حدثا أمنيا معزولا، بل يعكس مستوى متقدما وعملياتيا من التعاون بين البلدين”.
وأكد أتلاتي، في تصريح له، أن “هذه العملية تبرز وجود تنسيق استخباراتي عالي الدقة بين الرباط ومدريد، قائم على تبادل المعلومات في الوقت الحقيقي، وثقة متبادلة بين الأجهزة الأمنية، إلى جانب قدرة مشتركة على التدخل السريع لمواجهة التهديدات العابرة للحدود”.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن “هذا التعاون لم يعد مجرد إطار رسمي، بل تحول إلى أداة ميدانية فعالة”، مبرزا أن “التنسيق الأمني بين البلدين أضحى ركيزة أساسية في العلاقات الثنائية، خاصة في ظل التحديات المشتركة المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة”.
وزاد المحلل نفسه مبينا أن “هذا المسار تعزز بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، ليغدو أحد أعمدة الشراكة الإستراتيجية بين البلدين، إلى جانب التعاون الاقتصادي والسياسي، ما يجعله عنصرا حاسما في تدبير العلاقات الثنائية واستمرارها”، كما شدد على أن “أهمية هذا التعاون تزداد في ظل هشاشة الوضع الأمني بمنطقة الساحل واستمرار نشاط الجماعات المتطرفة”، موضحا أن “المغرب يمثل خط الدفاع الأول على الضفة الجنوبية للمتوسط، فيما تشكل إسبانيا بوابة نحو العمق الأوروبي، وهو ما يفرض تنسيقا وثيقا واستباقيا لاحتواء المخاطر قبل امتدادها”.
وبخصوص آفاق هذا التنسيق، توقع أتلاتي أن يشهد مزيدا من التعزيز، سواء عبر تكثيف العمليات المشتركة أو تعميق تبادل المعلومات والتقنيات الحديثة، مع إمكانية توسيع دائرة التعاون لتشمل شركاء أوروبيين آخرين، مؤكدا أن “هذا التعاون يكرس مكانة المغرب كشريك أمني موثوق ويحظى بدعم أوروبي ودولي، فيما تستفيد إسبانيا من حماية استباقية لأمنها الداخلي وتقليص المخاطر المرتبطة بالإرهاب والهجرة”.
من جهته، اعتبر الأكاديمي والمحلل السياسي عبد الله أبو عوض أن “العملية المشتركة بين المغرب إسبانيا تؤكد أن التهديد الإرهابي أصبح عابرا للقارات، فهو لم يعد تهديدا محليا، ما يفرض ترسيخ التعاون الوثيق المبني على الثقة والاستعجال”.
وأضاف أبو عوض، في تصريح له، أن “العملية تبين أن هناك رابط ثقة مهما بين البلدين يرفع سقف التعاون المشترك بين الأجهزة الأمنية، وهذا يعني تبادل المعلومات الحساسة”.
وشدد الأكاديمي وأستاذ العلاقات الدولية على أن القوة في المؤسستين الأمنيتين المغربية والإسبانية تكمن في اعتماد المقاربة الاستباقية؛ أي تفكيك الخلايا قبل التنفيذ، بما يضمن التدخل قبل وقوع الخطر.
كما سجل المتحدث عينه أن “التعاون الأمني بين المغرب وإسبانيا ليس خيارا ظرفيا، بل هو ضرورة جيوسياسية بحكم القرب، ما يؤدي إلى تشابك التهديدات، كالهجرة غير النظامية، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والإرهاب بمختلف أشكاله”.
وختم أبو عوض بالتأكيد على أن “هذا التعاون يمثل آلية أساسية للاستقرار الإقليمي في غرب البحر الأبيض المتوسط”، مبرزا أن “مستقبله يتجه نحو بناء جسر مندمج للعلاقات الاستخباراتية، عبر إرساء منصات مشتركة لتحليل البيانات بوسائل متقدمة، والانتقال من التنسيق الميداني إلى مجالات أكثر تطورا، من بينها مواجهة التطرف الرقمي في عصر الذكاء الاصطناعي”.

