افتتحت، يوم الخميس 21 ماي 2026 بمدينة طنجة، أشغال الدورة الأولى للمناظرة الوطنية البحرية، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، في محطة مؤسساتية واقتصادية بارزة تروم فتح نقاش وطني واسع حول مستقبل القطاع البحري بالمغرب، وتعزيز مكانته ضمن الخيارات الاستراتيجية للمملكة في مجالات النقل البحري واللوجستيك والتجارة الخارجية.
وعرفت الجلسة الوزارية الافتتاحية حضوراً وازناً لعدد من المسؤولين الحكوميين والفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين، يتقدمهم نزار بركة، وزير التجهيز والماء، وعبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجستيك، وعمر حجيرة، كاتب الدولة لدى وزارة الصناعة والتجارة المكلف بالتجارة الخارجية، حيث تم التوقف عند الرهانات الكبرى المرتبطة بالاقتصاد الأزرق، ودور القطاع البحري في ترسيخ السيادة اللوجستية والتجارية للمملكة، فضلاً عن آفاق تطوير المبادلات مع الفضاء الإفريقي الأطلسي.
وشكل هذا الموعد الوطني مناسبة لإبراز المكانة المحورية التي يحتلها المجال البحري في المنظومة الاقتصادية للمغرب، باعتباره رافعة أساسية للمبادلات الدولية، خاصة أن الموانئ المغربية تؤمن ما يقارب 95 في المائة من التجارة الخارجية للمملكة، وهو ما يجعل تطوير هذا القطاع مدخلاً استراتيجياً لتعزيز التنافسية الاقتصادية، ودعم تموقع المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية.
كما انصب النقاش على أهمية البنيات التحتية المينائية الكبرى التي راكمها المغرب خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها المركب المينائي طنجة المتوسط، وميناء الناظور غرب المتوسط، وميناء الداخلة الأطلسي، باعتبارها مشاريع مهيكلة عززت موقع المملكة كمنصة بحرية ولوجستية دولية، وجسراً اقتصادياً يربط بين أوروبا وإفريقيا والفضاء الأطلسي.
وحظي البعد الإفريقي بحيز مهم من مداولات هذه المناظرة، بالنظر إلى ما تمثله الواجهة الأطلسية الإفريقية من عمق استراتيجي واعد، يضم 23 دولة، ويساهم بحوالي 55 في المائة من الناتج الداخلي الخام للقارة، ويحتضن 46 في المائة من ساكنتها، في وقت تتجاوز فيه قيمة المبادلات التجارية السنوية بهذا الفضاء 1.5 تريليون دولار، ما يعكس حجم الإمكانات الاقتصادية والاستثمارية التي يمكن للمغرب أن يضطلع فيها بدور محوري.
وفي هذا السياق، أكد المتدخلون أن المملكة تواصل ترسيخ اندماجها الاقتصادي مع قارتها الإفريقية عبر مقاربة عملية تقوم على تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وتسريع رقمنة الخدمات والمعاملات المرتبطة بالملاحة والنقل البحري، وتطوير ممرات لوجستية حديثة، إلى جانب توسيع قاعدة المصدرين الوطنيين وتنويع الصادرات المغربية، وإرساء شراكات متوازنة قائمة على مبدأ الربح المشترك مع مختلف الدول الإفريقية.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن الرهان المطروح اليوم لا يقتصر على تطوير البنيات المينائية فحسب، بل يمتد إلى بناء ممرات لوجستية فعالة ومتكاملة، وإحداث سلاسل قيمة إفريقية قادرة على تثمين المؤهلات الاقتصادية الهائلة للفضاء الأطلسي الإفريقي، وتحويلها إلى رافعة حقيقية للتنمية المشتركة والازدهار المستدام لفائدة بلدان القارة.

