يشهد العالم المعاصر تحولاً رقمياً متسارعاً أفرز أنماطاً جديدة من الإجرام، عُرفت بالجرائم السيبرانية، والتي أصبحت تشكل تحدياً حقيقياً للسياسة الجنائية الحديثة، بالنظر إلى طابعها التقني المعقد، وسهولة ارتكابها، وصعوبة اكتشاف مرتكبيها، فضلاً عن طبيعتها العابرة للحدود. وأمام هذا الوضع، برزت الحاجة إلى تطوير المنظومة القانونية لمواكبة هذه التحولات، من خلال اعتماد مقاربة تشريعية مزدوجة تقوم على القواعد الجنائية العامة والقوانين الخاصة ذات الطابع التقني والتنظيمي.
وقد عمل المشرع المغربي على تعزيز الإطار القانوني لمكافحة الجرائم السيبرانية من خلال مجموعة من النصوص الخاصة، في مقدمتها القانون رقم 07.03 المتعلق بالمس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، الذي جرم مختلف صور الاعتداء على الأنظمة المعلوماتية، سواء من خلال الدخول غير المشروع أو تغيير أو حذف المعطيات أو عرقلة سير الأنظمة. كما ساهم القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي في تعزيز حماية الحياة الخاصة الرقمية، وضبط معالجة البيانات الشخصية بما يحقق التوازن بين التطور التكنولوجي وحماية الحقوق والحريات.
ومن جهة أخرى، جاء القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني ليؤسس لمقاربة وقائية تروم حماية البنيات التحتية المعلوماتية ذات الأهمية الحيوية، من خلال إرساء قواعد الحكامة الأمنية وتعزيز التدابير الاستباقية للحد من المخاطر السيبرانية. كما أسهم كل من القانون رقم 53.05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية والقانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة في المعاملات الإلكترونية في تعزيز الثقة في الفضاء الرقمي والحد من مخاطر التزوير والاحتيال الإلكتروني.
وإلى جانب التشريع الوطني، يبرز دور الاتفاقيات الدولية في تأطير الجهود الرامية إلى مكافحة الجرائم السيبرانية، وفي مقدمتها اتفاقية بودابست لسنة 2001 المتعلقة بالجريمة السيبرانية، باعتبارها أهم مرجع دولي في هذا المجال، إذ وضعت إطاراً موحداً لتجريم الأفعال الماسة بالأنظمة المعلوماتية، وحددت القواعد الإجرائية الخاصة بجمع الأدلة الرقمية، كما أرست آليات فعالة للتعاون القضائي الدولي في مجال تسليم المجرمين والمساعدة القانونية المتبادلة. كما ساهمت مبادرات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في تعزيز التعاون الدولي وتنسيق السياسات الجنائية لمواجهة التهديدات السيبرانية المتزايدة.
وتقوم السياسة الجنائية في هذا المجال على تفعيل آليات الزجر والوقاية والتعاون الدولي، حيث تضطلع النيابة العامة بدور محوري في تحريك الدعوى العمومية والإشراف على الأبحاث التمهيدية وتأمين الأدلة الرقمية، إضافة إلى التنسيق في إطار المساعدة القضائية الدولية، بالنظر إلى الطبيعة العابرة للحدود لهذا النوع من الجرائم.
وفي إطار التكامل المؤسساتي، تلعب اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) دوراً محورياً في حماية الحياة الخاصة الرقمية، من خلال مراقبة مدى احترام التشريع المتعلق بحماية المعطيات الشخصية، والتأكد من مشروعية معالجتها، ومنح التراخيص والتصاريح اللازمة، إضافة إلى تلقي الشكايات وإجراء التحقيقات والتفتيشات، وإصدار توصيات تهدف إلى ملاءمة الممارسات الرقمية مع الضوابط القانونية.
كما تضطلع المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI) بدور أساسي في الجانب التقني والوقائي للأمن السيبراني، باعتبارها الجهاز الوطني المكلف بحماية نظم المعلومات ذات الأهمية الحيوية، من خلال رصد التهديدات والهجمات السيبرانية وتحليلها، وتطوير آليات الاستجابة للحوادث الرقمية، ووضع المعايير والتوجيهات الأمنية، ودعم قدرات المؤسسات العمومية في مجال الوقاية والحماية، بما يجعلها خط الدفاع التقني الأول للدولة.
ورغم هذا التطور التشريعي والمؤسساتي، فإن مواجهة الجرائم السيبرانية لا تزال تواجه مجموعة من التحديات، من أبرزها التطور السريع لأساليب الجريمة الرقمية، وصعوبة الإثبات التقني، والحاجة إلى كفاءات متخصصة، إضافة إلى ضرورة التحيين المستمر للنصوص القانونية بما يواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن حماية الفضاء الرقمي لم تعد مجرد خيار تشريعي، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة الرقمية الراهنة. ورغم ما حققته السياسة الجنائية المغربية من تطور مهم على مستوى الإطار القانوني والمؤسساتي، فإن فعاليتها تظل رهينة بقدرتها على التكيف المستمر مع المستجدات التقنية، وتطوير وسائل البحث والإثبات الرقمي، وتأهيل الموارد البشرية المتخصصة. كما أن تعزيز التعاون الدولي وتوحيد الجهود التشريعية يظلان عنصرين أساسيين لمواجهة الطابع العابر للحدود للجرائم السيبرانية، بما يضمن تحقيق حماية فعالة للفضاء الرقمي وصون الحقوق والحريات في البيئة الرقمية الحديثة.
الدكتورة نهاد أفقير أستاذة القانون الجنائي بجامعة الحسن الأول سطات

