أعتقد أنه هكذا يجب فهم جانب كبير من السعار الذي يستهدف عبد اللطيف حموشي منذ سنوات، والذي أخذ في الفترة الأخيرة أشكالا أكثر خبثا وكثافة. فالمسألة لم تعد تتعلق بحملة عابرة ضد مسؤول أمني، بل بمحاولات متكررة لضرب رجل ارتبط اسمه بأكثر الملفات حساسية في حماية الدولة ومؤسساتها ومصالحها العليا.
حموشي لا يحتاج إلى من يعدد مناقبه، ولا إلى لغة المديح. يكفي أن ننظر إلى مساره… أكثر من عشرين عاما في قيادة جهاز استخباراتي بحجم المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وأكثر من عقد في قيادة الأمن الوطني، في مسؤوليات لا تسمح بالاستمرار طويلا لمن يسعى إلى أن يعيش على الصورة أو الخطاب فقط. وفي المجال العام لم يسبق إطلاقا أن ارتبط اسمه بقضية فساد مالي، ولا بشبهة إثراء، ولا بفضيحة أخلاقية أو شخصية… بالدارجة المغربية: راجل نقي. في المقابل، هناك رصيد ثقيل من العمل والنتائج، داخل المغرب وخارجه، في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات العابرة للحدود وبناء تعاون أمني جعل للمغرب مكانة يصعب تجاهلها.
وحتى على المستوى الإنساني والصورة لدى المواطنين، فشلت محاولات شيطنة الرجل وعزله عن المغاربة. يكفي أن نرى ما يتكرر كلما ظهر في شارع أو مكان عام، في تنقل رسمي أو شخصي… مواطنون يتقدمون إليه بعفوية، بالتحية والتقدير والدعوات الطيبة، ويتسابقون لالتقاط الصور معه. وهي تفاصيل قد تبدو بسيطة، لكنها تقول الكثير عن الصورة التي تكونت لدى الناس بعيدا عن حملات التشهير والضجيج الافتراضي؛ فسمعة المسؤول لا تصنعها فقط البيانات والأرقام، بل أيضا الطريقة التي يستقبله بها المواطن العادي عندما يلتقيه وجها لوجه.
لكن الأهم من كل ذلك أن مسار الرجل ارتبط بثابت واضح لا غبار عليه… هو الإخلاص للوطن والوفاء للمؤسسة الملكية، والتعامل مع المسؤولية الأمنية باعتبارها خدمة للبلد وللمصلحة العامة، لا مجالا لصناعة النفوذ الشخصي. واستمرار الثقة الملكية فيه، والجمع بين مسؤوليتين بهذه الحساسية، لا يمكن اختزاله في قرار عابر أو متغير؛ إنه تعبير عن ثقة تُبنى على الحصيلة والانضباط والقدرة على حماية المصالح العليا للمملكة.
- ومن هنا تبدأ، في رأيي، قراءة أكثر عمقا لما يتعرض له السيد عبد اللطيف حموشي.
هذا الرجل لم يكن فقط مسؤولا عن ملفات الإرهاب والجريمة أو الأمن اليومي. الأجهزة التي يقودها وجدت نفسها أيضا في قلب مواجهة محاولات استهداف مؤسسات الدولة ورموزها، بما فيها المؤسسة الملكية نفسها. وما ظهر خلال الأشهر الأخيرة في عدد من التسريبات الخطيرة (التي يا سبحان الله لم تثر اهتمام البعض ممن يعشقون التسريبات.. طبعا يعشقونها فقط عندما تخدم حقدهم تجاه المغرب حتى وإن كانت مفبركة أو مضللة) أن المسألة وصلت إلى مخططات تآمرية ومحاولة الاستيلاء على قرار الدولة واستهداف المؤسسة الملكية، وشخص جلالة الملك وولي العهد، بالتوازي مع تركيز لافت على عبد اللطيف حموشي ومؤسساته.
- وهنا يصبح السؤال مشروعا: لماذا حموشي تحديدا؟
لأن من يريد التأثير في القرار السيادي، أو الاقتراب من دوائر الدولة الحساسة، أو إرباك المؤسسة الملكية عبر شبكات الضغط والتضليل والتشهير، سيجد أمامه بالضرورة أجهزة مهمتها حماية الدولة من الاختراق والتلاعب. وإذا كانت المعطيات المتداولة حول محاولات التأثير في المحيط الملكي واستهداف دوائر القرار الاستراتيجي تعكس بالفعل جزءا من الصورة، فمن الطبيعي أن يصبح الرجل الذي يقف في مقدمة التصدي لهذه المخاطر هدفا مركزيا لمن تضررت مشاريعهم أو انكشفت تحركاتهم.
وهنا نفهم لماذا تغيرت طبيعة الهجوم. حين لا توجد فضيحة فساد يمكن استعمالها ضده، ولا حياة شخصية يمكن تحويلها إلى ملف، ولا شبهة مالية يمكن البناء عليها، وحين تفشل أيضا محاولات تشويه صورته لدى المواطنين وفصله عن الاحترام الذي يحظى به بينهم، لا يبقى أمام الاستهداف سوى الشيء الذي صنع مكانة الرجل أصلا… هو عمله نفسه.
المفارقة إذن واضحة… الرجل لا يُستهدف لأن في مساره فضيحة تفسر كل هذا الهجوم، بل لأن مساره نفسه أصبح عقبة أمام أطراف، داخلية وخارجية، تتقاطع مصالحها عند نقطة واحدة هي السعي إلى إضعاف المؤسسات التي تحمي الدولة، والتشكيك في الرجال الذين أثبتوا ولاءهم للوطن والملك وقدرتهم على حماية القرار السيادي المغربي.
ولهذا، كلما اشتد السعار حول عبد اللطيف حموشي، ينبغي ألا نتوقف فقط عند ما يُقال عنه، بل أن نسأل السؤال الأهم: من يريد ضربه، ولماذا الآن، وما الذي يمثله الرجل في المعادلة حتى يجتمع حول استهدافه كل هذا الإصرار؟ في كثير من الأحيان، يخبرك حجم الهجوم عن قيمة الهدف أكثر مما تخبرك به الاتهامات نفسها.

