لم تكن الدبلوماسية الأمنية المغربية وليدة سنة 2026، بل تشكلت ضمن رؤية استراتيجية متبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، تقوم على جعل الأمن رافعة للاستقرار الداخلي، وجسرا لتعزيز التعاون الدولي، وتكريس مكانة المغرب كشريك موثوق في مواجهة التحديات العابرة للحدود. وضمن هذا التوجه الملكي، كرس عبد اللطيف حموشي، منذ توليه مسؤولية قيادة القطب الأمني الذي يضم المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، حضورا خارجيا متناميا للمؤسسة الأمنية المغربية، قائما على الثقة والاستباق وتبادل الخبرات. غير أن الأشهر الأولى من سنة 2026 كشفت عن انتقال هذه الدينامية إلى مستوى أكثر تخصصا، بعدما لم يعد التعاون الأمني الخارجي للمملكة مقتصرا على ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بل امتد إلى مجالات دقيقة تشمل الأمن السيبراني، والشرطة العلمية والتقنية، وتبادل الخبرات، وتعزيز القدرات المرتبطة بالتكنولوجيا الأمنية والصناعات الدفاعية.
ويبرز هذا التحول من خلال الحركية المكثفة التي يقودها عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، على رأس القطب الأمني المغربي، في مسار يجمع بين لقاءات ثنائية رفيعة المستوى، ومشاركات متعددة الأطراف، وحضور داخل فضاءات دولية تجمع بين البعد الشرطي والاستخباراتي والتقني. وهي حركية لا تقاس فقط بعدد المحطات، بل بنوعية الشركاء وطبيعة الملفات المطروحة، ومستوى الثقة الذي بات يحظى به النموذج الأمني المغربي خارجيا.
وشكلت زيارة حموشي إلى السويد، يومي 20 و21 أبريل، إحدى أبرز المحطات الدالة في هذا المسار، بعدما أفضت إلى توقيع مذكرة تفاهم بين القطب الأمني المغربي والشرطة السويدية. إذ تكتسي هذه الوثيقة أهمية خاصة بالنظر إلى اتساع مجالاتها، إذ شملت تبادل الخبرات والممارسات الفضلى، وتعزيز التنسيق في قضايا الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية والجريمة السيبرانية.
ولم تقف دلالة هذه الزيارة عند حدود التوقيع على إطار تعاون ثنائي، بل امتدت إلى طرح إمكانية انضمام المغرب إلى الشبكة الأوروبية للبحث عن الأشخاص المبحوث عنهم، وهو ما يعكس انتقال التعاون مع بعض الشركاء الأوروبيين من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أكثر ارتباطا بآليات عمل متخصصة، تسمح بتقوية البحث الأمني المشترك وتبادل المعطيات ذات الصلة بالتهديدات العابرة للحدود.
وقبل محطة السويد، فتحت الرياض واجهة أخرى أمام هذا الحضور الأمني المغربي، من خلال مشاركة حموشي، خلال الفترة ما بين 8 و12 فبراير، في النسخة الثالثة من معرض الدفاع العالمي بالمملكة العربية السعودية، بدعوة من رئيس أمن الدولة السعودي. حيث شكلت هذه المشاركة مناسبة للاطلاع على أحدث الابتكارات التقنية في مجالات الأمن والدفاع، وبحث سبل تطوير التعاون الأمني والاستخباراتي وتعزيز المساعدة التقنية المتبادلة.
وتعكس هذه المحطة أحد التحولات البارزة في أجندة التعاون الأمني المغربي، حيث لم يعد البعد التقني مجرد عنصر مواز للمحادثات الأمنية، بل أصبح مكونا أساسيا في بناء الشراكات الجديدة، خصوصا في ظل تزايد أهمية أنظمة الرصد واليقظة، والحلول الذكية، والتجهيزات المرتبطة بالحماية والاستباق الأمني.
أما الرباط، فقد شكلت بدورها فضاء لتثبيت هذا الامتداد الدبلوماسي الأمني في أكثر من اتجاه. ففي 30 مارس، استقبل حموشي المفتش العام للشرطة بجمهورية ليبيريا، في لقاء ركز على تطوير التعاون الثنائي، مع إبداء الجانب الليبيري اهتماما واضحا بالاستفادة من التجربة المغربية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتطوير الشرطة العلمية والتقنية، والاطلاع على نماذج عمل مؤسساتية مثل المكتب المركزي للأبحاث القضائية والفرقة الوطنية للشرطة القضائية.
وفي اليوم الموالي، استقبل المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني سفير سلطنة عمان المعتمد بالرباط، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والشرطية. كما استقبل بعد ذلك بأيام الوزير المنتدب لدى الوزير الأول البولوني المكلف بالتنسيق بين المصالح الأمنية والأجهزة الخاصة، في لقاء عكس بدوره متانة قنوات التنسيق مع شريك أوروبي في ملفات ذات حساسية أمنية خاصة.
وتكشف هذه اللقاءات رغم اختلاف جغرافيتها، عن تعدد مداخل الشراكة مع المغرب. حيث أنه في إفريقيا، تحضر المملكة باعتبارها نموذجا أمنيا راكم تجربة مطلوبة في مكافحة الإرهاب والبحث الجنائي وتطوير البنيات الشرطية. وفي أوروبا، تتقدم ملفات أكثر تعقيدا من قبيل الأمن السيبراني وآليات البحث والتعقب والتنسيق الاستخباراتي. أما في الفضاء الخليجي، فيبرز التعاون في بعده التقني والمؤسساتي، في سياق تحولات متسارعة تعرفها أدوات الحماية واليقظة الأمنية.
وأضافت محطة فيينا بعدا متعدد الأطراف لهذا المسار، من خلال مشاركة حموشي، ما بين 5 و7 ماي، على رأس وفد أمني مغربي، في الاجتماع الجهوي الثالث والعشرين لرؤساء أجهزة الاستخبارات والأمن في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، المنظم تحت إشراف الأمم المتحدة. وقد ناقش الاجتماع ملفات الإرهاب والتطرف العنيف، والهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وغسل الأموال.
وتحمل هذه المشاركة دلالة خاصة، لأنها تضع المؤسسة الأمنية المغربية داخل فضاء إقليمي ودولي يقوم على تبادل التقديرات والمعطيات وبناء الثقة بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. كما أن تقاسم حموشي للنموذج الأمني المغربي المندمج ومتعدد المحاور في مكافحة الإرهاب والتطرف يؤكد أن المغرب لم يعد يحضر في هذه المنتديات بصفته شريكا متلقيا للتجارب، بل باعتباره فاعلا يقدم مقاربة عملية راكمت اعترافا دوليا خلال السنوات الأخيرة.
وبعد فيينا مباشرة، جاءت محطة إسطنبول يومي 7 و8 ماي لتعيد إبراز التداخل بين الأمن والاستخبارات والتكنولوجيا. فقد جاءت زيارة حموشي إلى تركيا بدعوة من المدير العام للشرطة الوطنية التركية، وشملت لقاءات مع رئيس هيئة الاستخبارات الوطنية التركية إبراهيم كالين، ومباحثات مع مسؤولين في منظومة الصناعات الدفاعية، إلى جانب حضور فعاليات النسخة الخامسة من معرض “SAHA 2026” للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء.
وتمنح هذه الزيارة للتعاون المغربي التركي بعدا إضافيا، إذ لم تعد العلاقة محصورة في التنسيق الأمني والاستخباراتي المباشر، بل امتدت إلى مجالات الصناعات الدفاعية والتجهيزات الحديثة والابتكار، وهي ملفات باتت تشكل جزءا متقدما من النقاش الأمني الدولي في ظل صعود التهديدات الرقمية والتكنولوجية.
ومن خلال الربط بين محطات الرياض، وستوكهولم، وفيينا، وإسطنبول، تتضح ملامح سنة أمنية مختلفة بالنسبة للمغرب. فالأمر لا يتعلق بقطيعة مع المسار السابق، بل بتطوير نوعي له، انتقلت فيه الدبلوماسية الأمنية المغربية من منطق التعاون التقليدي إلى شراكات أكثر تخصصا، تجمع بين الأمن الميداني، والاستخبارات، والتكنولوجيا، والجريمة السيبرانية، والبحث الجنائي، والمنتديات متعددة الأطراف.
وتؤكد هذه الدينامية أن المغرب يواصل ترسيخ موقعه كشريك موثوق في تدبير التحديات الأمنية العابرة للحدود، مستندا إلى نموذج مؤسساتي يجمع بين الاستباق والتنسيق، وتبادل الخبرات، والانفتاح على التكنولوجيات الحديثة. كما تكشف أن الدبلوماسية الأمنية للمملكة المغربية باتت تتحرك ضمن شبكة واسعة تمتد من إفريقيا إلى أوروبا، ومن الخليج إلى تركيا، في إطار رؤية هادئة لكنها واضحة، تجعل من الأمن مجالا للتعاون الاستراتيجي وتعزيز الحضور المغربي على الساحة الدولية.


تعليقات الزوار ( 0 )