الرئيسية كُتّاب وآراء أحمد درداري: جائحة كورونا.. وعولمة إرهاب العولمة؟

أحمد درداري: جائحة كورونا.. وعولمة إرهاب العولمة؟

كتبه كتب في 25 أبريل 2020 - 9:57 م
مشاركة

ان الأزمة الصحية العالمية التي أثرت على الصحة العمومية، تسائل العولمة باعتبارها سيرورة كونية تتضمن السيولة المتزايدة، وتنمي التدفقات المادية المتعددة الاتجاهات البشرية والاشياء والأماكن والمعلومات، وكذلك البنى التي يتم توجيهها وتأسيسها لعرقلة تلك التدفقات، بالإضافة الى تدفقات خفية وهي أكبر قوة من التدفقات المادية، وتسخر للتمييز والاحتواء على أساس الطبقة الاجتماعية والانتماء الإثني والعرق والنوع والعمر والتوجه الجنسي والإقليم، بحيث ان أن الذين يحتلون مكانة عليا في العالم يميلون ويسعون الى تشييد بنى تعيق التدفقات غير المقيدة بالنسبة لهم ويشجعون التدفقات التي تحقق مصالحهم.

فهذه العولمة سواء باعتبارها سيرورة دورية طويلة المدى، أو باعتبارها سلسلة من المراحل أو الموجات لكل منها أصله ومنطلقه الخاص، أو لكونها مرتبطة بأحداث تاريخية بزرية، أو باعتبارها تغيرات أوسع لأحداث القرن العشرين، وسواء شكلت نموا اقتصاديا عظيما وأداة لنشر الديمقراطية والمجتمع المدني، أو أن لها آثار سلبية على الطبقات الفقيرة عبر العالم وتؤدي الى التفاوت الطبقي كما يرى ذلك اليساريون واليمينيون، فان كورونا أبانت عن  مظاهر وانعكاسات سلبية، كوجود مجموعة كبيرة من البشر تشعر بالحرمان ويمكنها أن تتوقف بسبب صلابة سيرورتها، وأن مشكلاتها يتم معالجتها بواسطة لاعبين كبار بالاضافة الى منظمات غير حكومية، وحصر دور الشعوب في الاستهلاك المفتوح والمنافس دون شروط مما اعادت معه كورونا العملية الى الصفر.

 

تطور الإمبريالية انتهى مع ظهور كوفيد ١٩

واذا كانت العولمة هي إحدى آليات الامبريالية لفرض الهيمنة الاقتصادية والاقليمية وعلى دول قومية عديدة كما عكست ذلك ابريطانيا وأمريكا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فان الامبريالية الرأسمالية تمثلها الولايات المتحدة بدرجة أولى التي تسعى الى جمع المعقد والمتناقض بين الامبريالية السياسية والاقتصادية.

واذا كانت الكولنيالية الجديدة قد حاولت السيطرة بطريقة أكثر دهاء ومكرا على الاقتصاد لاسيما بعد رحيل الاستعمار المباشر عن الشعوب  وتكريس فكرة أن الغرب هو النموج المثالي للنمو الاقتصادي ومحاولة دفع دول الجنوب بالتبعية واثارة قوة المشروع السوسيو ثقافي لدول الشمال على حساب ضعف مشروع دول الجنوب، فان إحدى الانتقادات الكبرى تقول بأن التخلف لا يرتبط بأسباب داخلية في دولة معينة وانما ناتج عن العلاقة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة داخل النظام الرأسمالي، ويتم توجيه النقد للعولمة بدلا من تركيزه على تبعية دول الجنوب لدول الشمال.

وعليه فقد أوقف كوفيد-19 التدفقات المادية والثقافية المتعددة المعاكسة والقادمة من الشرق نحو الغرب لاسيما من الصين واليابان، وبالتالي يمكن القول أن سيرورة العولمة مع كورونا قد تجاوزت فترة ازدهارها، وأن الحقبة الحالية هي مرحلة ما بعد الامبريالية وما بعد التطور وما بعد الكولونيالية وما بعد التغريب وهي مرحلة تجاوز الأمركة بشكل ذكي.

 

فهل كورونا هي توجيه صدمة الصدمة؟

الرغم من أن هناك من يرى أن الليبرالية الجديدة قادرة على احتواء التطور الايجابي للعالم، وان كانت قد ظهرت مع الأزمة العالمية في ثلاثينيات القرن العشرين، والتي اعتمدت في إحدى آلياتها على مبدأ “توجيه الصدمة” مثل خصخصة الصناعة وخفظ الانفاق العمومي على برامج الرعاية الاجتماعية، والتي استخدمها ريغن وتاتشر في سبعينيات القرن العشرين، وأجبرا الدول على قبولها عبر جهود صندوق النقد الدولي والبنك العالمي الذين مارسا شكلا محددا من العلاج “بتوجيه الصدمة” في اطار ما عرف “بالتقويم الهيكلي أو التكييف الهيكلي” طبقا لاتفاق واشنطن، وتم توجيه النقد الشديد الى هذه السياسة لكونها تؤدي الى زيادة حدة التفاوت وعدم المساواة كما لاقت معارضة من قبل حركات العولمة البديلة، وهذا ما أدى الى ظهور نزعة محافظة جديدة تبدي التزاما بالنظام الأخلاقي، بالاضافة الى إشكالية إمكانية ظهور تحالف اليساريين ليشمل العمال والاثنيات لمقاومة العمولمة الليبرالية الجديدة، كما أن عمل الاسواق الحرة لا يعترف بوجود قواعد أو ضوابط للأسواق، ويتم ربطه بالنظام السياسي الديمقراطي وتسهيل الحياة الاقتصادية الكريمة للفرد، بحيث تم  تأييد خفض الضريبة لتشجيع الاستثمار وهو ما يؤدي الى تقليص الانفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية، لكن ذلك أدى الى ظهور أزمة مالية، وتسببت في زيادة عملية التسليع بالاضافة الى انحطاط الصحة والبيئة.

 

سناريو ما بعد كوفيد ١٩

وعلى ضوء السيناريوهات الجيوستراتيجية المتغيرة يمكن قراءة العالم من خلال مراحل ثلاث أساسية: مرحلة نظام الثنائية القطبية التي هيمنت وقسمت العالم بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الامريكية، واعتمدت في ذلك على التسلح ونتائج الحربين العالميتين، ثم نظام الأحادية القطبية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، واليوم نعيش بداية التعددية القطبية الصين والولايات المتحدة والاتحاد الاوربي وظهور اتحادات دول قوية،  وتتحدد هذه  التعددية القطبية على معطيات منها الكثافة السكانية والاساس الثقافي المندمج والقدرة التكنولوجية والاقتصاد الرقمي، خصوصا اذا تفاقمت أزمة المنظمات الدولية وتبعتها المؤسسات المالية الموالية للولايات المتحدة الأمريكية، كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي حيث يبدو أنهما عجزا عن مساعدة الدول في تحسين انتاجيتها وتوفير مستوى عيش الشعوب وشروط العمل، كما أن المرحلة تعرف ظهور قوى اقتصادية متنافسة مع وجود توتر متزايد بين الشركات متعددة القوميات والدول المتقدمة والمجتمع المدني مع وجود أغلبية هذه الشركات في دول الشمال، في مقابل تزايد عددها في دول الجنوب مما شيؤثر على البيئة الاقتصادية العالمية.

 

كورونا وتغيير أسعار البترول

ومن جهة أخرى فان ارتفاع أسعار البترول ارتبط بالصعوبات المتزايدة في عمليات الانتاج وتفاقم المشكلات هو الذي قلص من الامداد العالمي وستضطر  بعض الدول المصدرة للبترول الى استيراده بعد تبعات كورونا، بالاضافة الى أن التحول العالمي يتجه نحو الطاقات البديلة التي تؤسس للاقتصاد التكنولوجي، وكلما زادت قوة الاقتصاد الا اصبحت الأزمة أمرا واردا، كالأزمة المالية التي سببتها الرهون وارتفاع نسبة القروض والاستهلاك الذي يفوق القدرة الشرائية للأفراد.

 

كرونا وعولمة الاتصال

وبالنسبة للتدفق العالمي لوسائل الاعلام والذي غالبا ما يمثل امبريالية إعلامية، بالاضافة الى شبكة الانترنيت باعتبارها إعلام بديل لإعلام الدول النامية، وهي أيضا تقع تحت سيطرة عدد محدود من الشركات الكبر، ومعلوم أن نظام الانترنت سهل نشاط الافراد ويواجه خطر الهاكرز الذي يعرقل المعلومات والنشاط الرقمي، وهو ما يقلص من تأثير الدولة القومية، بالاضافة الى الفجوة الرقمية بين دول الشمال والجنوب كما أن اللغة المستعملة لتشغيل الحواسيب حيث تطغى الانجليزية، مما يبقي شعوب دول الجنوب بعيدة عن الثورة التكنولوجية و بسبب صمت المستفيدين والماسكين للقرار المفضي للتفاوت العالمي يجعلها معرضة للهجرة، في مقابل بروز بنية الانترنت الصينية عالية الجودة والتي يمكنها منافسة البنية التكنولوجية الامريكية.

وكوفيد-19 وضع جميع الدول أمام اختيارات جديدة انطلاقا من صعوبة الاستمرار في ظل وجود الوباء المستجد، وظهرت معه أهمية القدرات الوطنية الذاتية سواء في مواجهة الوباء أو في مواجهة انعكاس الجائحة على تحول دول الجنوب.

وعليه يمكن القول  انه سيكون لوباء كورونا انعكاس شامل على التحول العالمي والوطني، بحيث بعد مرحلة كوفيد-19  سيتم تحديد  معالم وضعية دولية بمعطيات جديدة للتطور ورسم معالم عالم  جديد وذلك من خلال تحديد هوية الاقتصاديات الذكية التي تعتمد في دورة انتاجها وتوزيعها على التكنولوجيا الصحية ورقمنة الصحة العالمية والاقتصاد الصحي الموجه بالاعتماد على معايير لاحتواء صحة الانسان كمحدد للنشاط الاقتصادي في البيئة الرقمية، وهو ما سيؤثر على حياة البشرية التي ستظل مهددة  بحروب بايلوجية يتحكم فيها  الذكاء الاصطناعي ونتائج الابحاث على بينية الانسان علاقة بالفيروسات الفتاكة والامراض الموجهة تكنولوجيا بموجات الاتصال الكهرومغناطيسي، بالاضافة الى التلوث الاصطناعي الذي سيؤثر على الانسان بسبب الحياة في بيئة ذكية وضرورية للاندماج و للاستهلاك المتطور، كما يمكن تحديد توجيه الاقتصادات الوطنية بناء على المعطيات الصحية للشعوب، وتتبع حالات المصابين بمختلف الأمراض انطلاقا من المصحات الرقمية وتوجيه حالتهم  ومعالجة غالبيتهم عن بعد وبطرق علمية أو قتلهم بحسب الرغبة كما هو الحال بالنسبة لوباء كورونا الذي ركز في ضحاياه  على كبار السن والضعيفي المناعة، وللتكنولوجيا المتقدمة  دور في ايجاد أشكال جديدة  من الحروب  الاقتصادية بدون اللجوء الى الحروب العسكرية، بحيث أن تطور الفيروسات وتنوعها من فلوانزا قتل الخنازيز، فلوانزا قتل الطيور، وفيروس قتل البقر (جنون)، والآن فيروس قتل البشر كمستهلك  (كورونا)، ليكون العالم قد استكمل دورة الابحاث في محددات الاقتصاد الغذائي، مما يعني أن الحروب الجديدة غير مؤطرة بقانون دولي كما هو الحال بالنسبة للحروب العسكرية المألومة والمؤطرة بقانون جنيف وبروتوكولات ملحقة كثيرة،  ولحد الآن ليس هناك مسطرة قانونية دولية للتحقيق وتحديد المسؤولية الجنائية حتى لو كشف العلماء عن الأسباب، وفي غياب الاثبات للاسباب والوسائل والغاية فان المجتمع الدولي سيواجه مشاكل اعادة الارتباط تحددها المخاطر الصحية والاقتصاد العالمي الصحي والانقسام بين تأييد التوجه الجديد والرفض لأي مساس بصحة الانسان لا سيما وأن التجارب الموجهة لشعوب القارة الافريقية والاتجار في المواد الموجهة لصحة الانسان  عموما تواحهه صعوبة حصول الشعوب الفقيرة حول العالم على الخدمات الصحية  والغذاء الصحي مما سيزيد في تعقيد العلاقات الدولية والتعامل مع الامراض الفتاكة التي تشل قدرة الدول الصحية، كما لم يتم السيطرة على الوباء ولم يتم الاعلان رسميا عن الدواء ماعدا بعض الأدوية التي توفرت عليها بعض الدول غير المتقدمة وأعطت بعض النتائج الايجابية ولعبت الاحتياطات أهم وصفة لتجنب انتشار الوباء، بينما هناك تلويح بامكانية تلقيح الشعوب الافريقية واجراء تجارب جديدة الشيء الذي يقلق الدول وربما ستكون هناك ردود أفعال من طرف مختلف الهيئات والحكومات رافضة لأية عملية اجراء تجربة على الشعوب الافريقية.

دول الجنوب في مرمى التجارب الطبية

ولدول الجنوب فرصة توحيد برنامج مواجهة الجائحة كما اقترحه العاهل المغربي في أول التفاتة اتجاه الدول الافريقية، وهذا ما أبان عن امكانيات انطلاق المغرب كقوة اقتصادية افريقية لاسيما اذا نجح في بناء نموذج تنموي والنهوض بمشروع التعاون جنوب – جنوب، واقتسام الادوار مع الدول الافريقية لبناء مشاريع اقتصادية تنافسية، ونقل الخبرات في شتى المجالات لتطوير اقتصادها، وانطلاقا من الاجراءات التي واجه بها المغرب جائحة كورونا وما صاحبها من تضامن وتكافل مجتمعي للحد من آثار كوفيد-19 المستجد، يمكن العمل بنفس المنطق للانتقال الى مغرب التدبير الاستراتيجي وأخذ الريادة في كسر التمييز الذي عانتها القارة في جميع المجالات باطلاق شعار افريقيا أولا.

مشاركة

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً