الأكيد أنه منذ تحرك الجيش المغربي لإعادة الأمور إلى نصابها في معبر الكركرات، ولن نقول تحرير المنطقة، طبعا لأنها ليست مستعمرة من طرف دولة ما، وتخليصها من قطاع الطرق التابعيين لمليشيات البوليساريو، الذين سعوا إلى تخريب المعبر وعدم السماح للشاحنات التجارية والأشخاص عبورالمكان في اتجاه موريتانيا، حتى سارعت العديد من الدول والمنظمات الأجنبية إلى إعلان تضامنها وتأييدها للتدخل المغربي السلمي، الذي جاء تماشيا مع دستور المملكة الذي يؤكد على ضرورة حماية الوحدة الترابية وكذلك الشرعية الدولية، إلا أن هذه العملية كشفت العديد من المواقف المغايرة والتي لا تتماشى مع إجماع المغاربة حول قضية الصحراء المغربية.
بعيدا عن موقف السلطات الجزائرية حول قضية الصحراء المغربية، بما أنها المحتضن والراعي الرسمي لانفصالي البوليساريو، جاء موقف مسؤولي السلك الدبلوماسي الفلسطيني بكل من الرباط والجزائر والذي يتّسم بنوع من الضبابية، خاصة بعد نشر محتوى بيان “منظمة الشبيبة الفلسطينية” الذي جاء فيه أن المنظمة “تُدينُ الأمم المتحدة لأنها لم تقف إلى جانب الشعب الصحراوي الشقيق في الكركرات ضد المحتل المغربي”.
فبعد أن أكدت السفارة الفلسطينية بالرباط، أن “موقف بلادها ثابت على وحدة وسلامة وأمن المغرب، ودعم وحدة التراب المغربي، وكذلك الجهود المبذولة في هذا الشأن وفق قرارات الجامعة العربية والأمم المتحدة”، خرج سفير ذات السلطة الفلسطينية بالجزائر، أمين مقبول بموقف مغاير حيث، أعلن دعمه مطالب الانفصاليين وتبرأ من البيان الذي أصدرته سفارة فلسطين بالرباط، الذي يدعم التدخل المغربي في الكركرات. وقال أمين مقبول، في حوار مع صحيفة جزائرية، “إن موقف بلاده الرسمي حول نزاع الصحراء والتطورات الواقعة في معبر الكركرات تصدره وزارة الخارجية الفلسطينية فقط، وليس سفارة فلسطين بالمغرب أو منظمات فلسطينية أخرى”. وأضاف “أن بيان سفارة فلسطين بالرباط لا يمثل السلطة الفلسطينية، مؤكدا أن “فلسطين ترافع لصالح أن تحل القضية في إطار الأمم المتحدة من خلال تسريع إجراء استفتاء يقرر من خلاله الشعب الصحراوي مصيره، باختيار حكم ذاتي أو الانضمام أو تأسيس جمهورية مستقلة”.
السفير الفلسطيني بالجزائر بين من خلال حواره أنه فقط يحاول إرضاء الدولة التي هو سفير بها، لكن الغريب في الأمر أنه كان عاجز تماما عن ذكر اسم المغرب، البلد الذي ما فتئ يعلن جهرا دعمه للقضية الفلسطينية، كما حاول تمرير ضمنيا أن القضية الفلسطينية أولى عندهم من قضية الصحراء الغربية، وعاد للتركيز على الالتزام بالاستفتاء وتقرير مصير الشعب الصحراوي. ما لا يعلمه هذا السفير الفلسطيني في الجزائر، أن المغرب اسقط من مفاهيمه هذين المصطلحين و يتفاوض فقط على مقترح الحكم الذاتي لا غير.
طبعا، هذا ليس وقت المزايدات السياسية، أو تصريف أي مواقف لتصفية حسابات سواء من داعمي أطروحة صفقة القرن، التطبيع مع إسرائيل أو إنشاء بعثات دبلوماسية لدول صديقة في كل من العيون والداخلة، هذا لا ينفي إن كنا براغماتيين وأكدنا أنه لا مجال للقول هل الأسبقية للقدس أو الصحراء، فالجواب واضح، في غنى عن مواقف البعثات الدبلوماسية الفلسطينية من قضية الصحراء.
كنا ننتظر صدور بلاغ رسمي يمثل كل الفلسطينيين، لكن جاء الرد دون المتوقع، وفضلت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية نهج سياسة النعامة والهروب إلى الأمام، وأكدت، في بيان صدر يومه الإثنين 16 نوفمبر 2020، أنه ” في ضوء ما تناقلته بعض وسائل الإعلام من تصريحات نسبت إلى سفيري دولة فلسطين لدى كل من المملكة المغربية الشقيقة، ولدى الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الشقيقة، فإن دولة فلسطين تؤكد على موقفها التقليدي والثابت، بأنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية الشقيقة، وأن أية تصريحات بخلاف ذلك لا تمثلها”.
طبعا، موقف الخارجية الفلسطينية في حياده من أخد موقف واضح وصريح من التدخل العسكري المغربي في معبر الكركرات، هو تعبير ضمني عن منح صفة رسمية للجمهورية الوهمية من خلال الشؤون الداخلية للدول العربية الشقيقة، فالبوليساريو ليسوا دولة، بل فقط عصابة من المرتزقة التي تسعى إلى زرع الفتنة في الصحراء من خلال دعم جنرالات النظام الجزائري.
بعيدا عن ردود الأفعال الجزائرية أو الفلسطينية، إذ يكفينا دعم واعتراف المجتمع الدولي، لكن وجب التأكيد على أنه هناك من المغاربة من أداروا ظهورهم للقضية المغربية، سواء من خلال نشر بيانات جانبت الصواب، كما هو حال موقف حزب النهج الديمقراطي بخصوص التطورات الأخيرة في الصحراء المغربية وتدخل القوات المسلحة الملكية لتحرير معبر الكركرات، حيت دعت الكتابة الوطنية لهذا الحزب، الرافض للعمل مؤسساتيا، في بيان لها، “إلى تجنب التصعيد والحرب في الصحراء الغربية، واعتماد أسلوب السلم والحوار لتجنيب المنطقة وشعوبها ويلات الحرب”.
وأضاف محررو البيان أن الحزب “يجدد موقفه الداعي إلى اعتماد المواثيق الدولية ومقررات الأمم المتحدة لحل قضية الصحراء الغربية للوصول إلى حل متفق عليه، بما يضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره ويخدم هدف وحدة الشعوب المغاربية… وأن اندلاع الصراع بموقع الكركرات بالصحراء الغربية يشكل خطورة على السلم والأمن في المنطقة وعلى شعوبها”.
إن كان البعض يقول إن هامش التعبير عن آراء مختلفة داخل التراب الوطني هو ظاهرة صحية وتأكيد على وجود حرية التعبير، لكن عندما يتعلق الأمر بقضية وطنية، فالتغريد خارج السرب هو بحد ذاته موقف أرعن، إذ وجب التذكير أن القانون التنظيمي للأحزاب ينص في مادته 4 انه يعتبر باطلا كل تأسيس لحزب سياسي يهدف إلى المساس بالوحدة الوطنية أو الترابية للمملكة، كما يتعين عليها احترام مبادئ السيادة الوطنية، والحزب باصطفافه إلى جانب حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره يكون قد وقع في المحظور، كما أننا قد نقبل الانتقاد فيما بيننا، لكن لن نقبل المزايدة والصبيانية عندما يتعلق الأمر بوحدتنا الترابية والمس بها من طرف عناصر أجنبية.
الأكيد فقضية معبر الكركرات وبسالة الجيش المغربي أبانت جليا معدن عدد من المغاربة ممن تغنوا بالديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير، وأخرست ألسنتهم، فلا كبيرهم، أعني هشام العلوي، نطق بشيء وكأن قضية الصحراء لا تعنيه أو أن مغربيته لا تساوي شيء أمام بلده الثاني، ولا رعاع القوم من أمثال الرياضي، المعيطي، المجدوبي، غالي (طبعا هو غالي الاسم وليس القيمة)، وغيرهم، وكل المدافعين عن مصالحهم المادية قالوا شيء. فصمتكم، قبل أن يكون وسمة عار، فهو دليل على غدركم وخيانتكم لهذا الوطن الأبي.


تعليقات الزوار ( 0 )