تدخل مدينة طنجة مرحلة مفصلية جديدة في مسار تحديث منظومة النقل العمومي، من خلال اعتماد نموذج متقدم للتدبير المفوض يقوم على فصل واضح بين التخطيط والملكية والاستغلال، في خطوة تروم إرساء حكامة فعالة، وتعزيز المراقبة العمومية، والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة بما يستجيب لتطلعات الساكنة ومتطلبات المدينة المتنامية.
ويقوم هذا النموذج، في شقه المؤسساتي، على توزيع دقيق للأدوار والمسؤوليات، حيث تضطلع الجهة المفوضة، مؤسسة التعاون بين الجماعات “البوغاز”، بالقيادة الاستراتيجية للمنظومة، عبر تحديد معايير الجودة والسلامة والنجاعة والجاذبية، وضمان احترام مبادئ المرفق العمومي، إلى جانب ممارسة الرقابة الصارمة على التدبير المفوض، وتمويل الاستثمارات الكبرى ذات الطابع الهيكلي.
وفي إطار تكامل الأدوار، أُسندت مهمة ملكية الأصول المرتبطة بالخدمة إلى شركة التنمية المحلية “طنجة موبيليتي – SDL Tanja Mobilité”، التي تتولى تدبير الحافلات والبنيات التحتية والأنظمة الذكية، من قبيل منظومة التذاكر الإلكترونية، وأنظمة التدبير الذكي لحركة السير، وإعلام المسافرين، بما يضمن استدامة الاستثمار العمومي ويكرّس الفصل بين الملكية والاستغلال.
أما الاستغلال اليومي لشبكة النقل، فقد أُسند إلى تحالف ISSAL TANGER، المكوَّن من شركة CTM بنسبة 51 في المائة وTransdev بنسبة 49 في المائة، حيث يتكفل المفوض له بتسيير الخدمة ميدانياً، وضمان الصيانة التشغيلية، وضبط التكاليف، مع الالتزام الصارم بدفتر التحملات والمعايير التعاقدية المتفق عليها.
وبموازاة هذا الإطار التنظيمي، راهنت الجهة المفوضة على تجديد شامل لأسطول الحافلات باعتباره ركيزة أساسية لتحديث الشبكة وتحسين تجربة الاستعمال، حيث تم اقتناء 280 حافلة جديدة باستثمار إجمالي بلغ 806 ملايين درهم، موزعة بين حافلات عادية ومفصلية، وجميعها مجهزة بأرضية منخفضة لتسهيل الولوج وتعزيز معايير الراحة والسلامة.
ولتعزيز هذا التوجه، خُصص غلاف مالي إضافي يناهز 104 ملايين درهم لتجهيز الحافلات بأنظمة تكنولوجية متطورة، تشمل التذكرة الإلكترونية، وأنظمة المساعدة على الاستغلال، وإعلام الركاب في الزمن الحقيقي، إلى جانب تجهيزات خاصة بالأشخاص في وضعية إعاقة، وأنظمة التكييف، والمراقبة بالكاميرات، وخدمة الإنترنت اللاسلكي على متن الحافلات.
ومع ارتفاع وتيرة الاستغلال وتوسع الشبكة، برزت الحاجة إلى تحديث مرافق الصيانة لضمان الاستمرارية والنجاعة التشغيلية، حيث شملت الأشغال توسيع الورشات الميكانيكية وورشات الهيكل، وتطوير الفضاءات الإدارية والمخازن، وإحداث تجهيزات حديثة لغسل الحافلات تعتمد نظاماً لإعادة تدوير المياه، انسجاماً مع متطلبات الاستدامة البيئية.
وتُظهر المعطيات المتوفرة أن هذه الاستثمارات ستنعكس بشكل مباشر على جودة الخدمة المقدمة للمرتفقين، من خلال رفع العرض بـ55 في المائة، وتعزيز انتظام الرحلات ليبلغ 85 في المائة، وتقليص زمن الانتظار بـ41 في المائة، مع إدماج أزيد من 100 مركبة إضافية ضمن الشبكة، ما من شأنه تعزيز جاذبية النقل العمومي وتشجيع استعماله.
ويستمد هذا المشروع قوته أيضاً من شراكة تجمع بين الخبرة الوطنية والدولية، حيث تضع CTM رصيدها التاريخي وتجربتها الواسعة في خدمة تنقلات ساكنة طنجة، مقابل خبرة Transdev العالمية في تدبير شبكات نقل حديثة ومستدامة، وفق أعلى المعايير الدولية للجودة والسلامة والأداء.
وفي أفق ترسيخ هذا التحول، يراهن المشروع على تجربة رقمية متكاملة، عبر تعميم التذكرة الإلكترونية، واعتماد حلول الدفع المفتوح، وتوفير المعلومة في الزمن الحقيقي داخل المحطات وعلى متن الحافلات، مع تجهيز شامل لنقط التوقف.
وتندرج هذه الخطوة ضمن رؤية مستقبلية بعيدة المدى، تمتد من مواكبة الاستحقاقات الكبرى ابتداء من سنة 2025، مروراً بإطلاق مشروع BHNSفي أفق 2029، وصولاً إلى ترسيخ معايير التميز والجودة ISO 9001، واعتماد مقاربات اجتماعية وبيئية حديثة، والصيانة التنبؤية، استعداداً للاستحقاقات الدولية الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، بما يجعل من طنجة نموذجاً حضرياً متقدماً في مجال التنقل المستدام.


تعليقات الزوار ( 0 )