في شمال بريس، لا نكتب لنرضي الإدارات ولا لنجمل الأعطاب، ولا لنسوق بلاغات تولد متأخرة عن الحقيقة، بل نكتب لأن المرفق العمومي حين يختل لا يصلحه الصمت ولا الشعارات ولا لغة التعميم، ومن هذا الموقع بالذات نعتبر أن أخطر ما يمكن أن يصيب المرفق العمومي ليس الخطأ في التدبير، بل الاعتقاد بأن بلاغًا متأخرًا قادر على محو أثره، فليس أخطر على المرفق العمومي من بلاغ يظهر في صيغة “توضيح” بينما يقوم عمليًا بوظيفة الإخفاء، وليس أضعف من إدارة تعتقد أن المشكلة في الصحافة لا في القرار، ولا في التوقيت ولا في طريقة التدبير.
بلاغ كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان، الصادر يوم الأحد 04 يناير 2026، في يوم يفترض أنه يوم عطلة، لم يكن دفاعًا عن مسار بيداغوجي بقدر ما كان محاولة لإعادة كتابة الوقائع بعد وقوعها، وبناء سردية رسمية متأخرة لتغطية ارتباك إداري انفرادي حقيقي، بلاغ دافع عن قرار بعد فوات أوان الشرح وبأسلوب سعى إلى تذويب المسؤولية بدل تحملها، وإلى توسيع الغلاف الرمزي للقرار عوض توسيع دائرة الشرح، في حين أن السؤال ظل بسيطًا ومباشرًا: من قرر؟ متى؟ ولماذا دون إعلان مسبق؟
وحين يؤكد بلاغ الأحد أن “البرمجة الرسمية” لامتحانات مسلك الزمن الميسر نشرت يوم 17 دجنبر 2025 لإجرائها يومي 20 و21 من الشهر نفسه، فإنه يتغاضى عن حقيقة موثقة لا تقبل القفز عليها، وهي أن الإعلان عن الامتحان لا يستقيم مسطريًا ولا بيداغوجيًا دون نشر لوائح المدعوين لاجتيازه. فكيف يطلب من طلبة موظفين، يضبطون التزاماتهم المهنية والأسرية بدقة، أن يستعدوا لامتحان دون أن يعرفوا رسميًا إن كانوا معنيين به؟
والأدهى أن جريدة شمال بريس كانت أول من نبه إلى هذا الخلل الصارخ، حين نشرت صباح يوم 18 دجنبر 2025 مقالها المعنون: “امتحانات تعلن واللوائح غائبة: ماستر ‘الزمن الميسر’ بكلية الحقوق بتطوان يشعل غضب الموظفين”، أي قبل يومين فقط من موعد الامتحان. وهو ما يعني أن لوائح المدعوين لم تنشر إلا بعد دق ناقوس الخطر إعلاميًا، لا بمبادرة مؤسساتية استباقية، حيث تم نشر اللائحة يوم 18 دجنبر 2025 على الساعة 14h18، وهو فرق جوهري بين تدبير يستشعر مسؤوليته، وتدبير لا يتحرك إلا تحت الضغط.
بلاغ الأحد، الذي قدم للرأي العام وكأنه تحصيل حاصل لتطبيق القانون، تعمد إغفال معطى جوهري لا يقبل التأويل، وهو أن القرار لم يصدر عن الوزارة الوصية، ولا عن رئاسة الجامعة، ولا عن أي نص تنظيمي مستجد، بل عن مجلس الكلية وإدارتها. ومع ذلك، خرج البلاغ مصحوبًا بشعاري الوزارة والجامعة، في ممارسة تواصلية لا يمكن اعتبارها بريئة، لأنها لا تضيف شيئًا إلى مضمون القرار، لكنها تضيف الكثير إلى تذويب المسؤولية. فحين يوقع القرار محليًا ويزين مركزيًا بدون إعلان مسبق ولا تعليل زمني، نكون أمام خلط مقصود بين من قرر ومن يراد له أن يتحمل الكلفة الرمزية.
وفي المملكة المغربية “دولة المؤسسات”، لم يعد مقبولًا أن تدار المرافق العمومية بمنطق الغموض، ولا أن تتخذ القرارات في الظل بأسلوب انفرادي ثم يبحث لها عن شرعية بلاغية بعد وقوع آثارها، فالشعار المؤسسي لا يعوض غياب القرار المعلن ولا يسد فراغ التواصل، ولا يصلح اختلال المسطرة.
الأخطر في بلاغ يوم الأحد الذي نشرته كلية الحقوق بتطوان أنه حاول نفي مسؤولية الإدارة عن تعليق الامتحانات، معزوًا ذلك إلى “مقاطعة بعض المكونات الطلابية الرافضة لنظام الزمن الميسر”، في توصيف يختزل فشلًا تنظيميًا واضحًا في شماعة جاهزة. فالعمادة، بصفتها سلطة تدبيرية لا توصيفية ملزمة قانونًا وبيداغوجيًا بضمان السير العادي للامتحانات وتأمين شروطها، ومعالجة الاحتجاجات بآليات الحوار والتأطير لا بتحويلها إلى مبرر لاحق لتعليق امتحانات قائمة. فحين تعجز إدارة الكلية عن تنظيم امتحان بسبب احتجاج، فالمشكل ليس في الاحتجاج، بل في ضعف القدرة على التدبير الاستباقي للأزمات.
والأكثر خطورة أن البلاغ أقر بأنه “بعد انتفاء الشروط لإجراء الامتحانات، تم اعتماد دراسة الملف”، دون أن يجيب عن السؤال الجوهري: هل تم إخبار الرأي العام الجامعي، والطلبة المعنيين تحديدًا، بهذا التحول الجذري في مسطرة الانتقاء قبل تنزيله؟
الجواب العملي هو لا !! إذ لم يصدر أي إعلان مسبق، ولا مذكرة رسمية، ولا بلاغ يشرح هذا التغيير قبل الشروع في تطبيقه. وهو ما يجعلنا أمام قرار بيداغوجي مصيري اتخذ في صمت ونفذ في صمت، ثم شرح بعد ظهور نتائجه، في خرق صريح لقاعدة الشفافية وربط القرار بزمنه الطبيعي.
ويبلغ التناقض مداه حين يؤكد البلاغ “التقيد الصارم بنفس معايير تكوينات الزمن العادي احترامًا لتكافؤ الفرص” بينما الوقائع تكذب هذا الادعاء، فالزمن العادي خضع لمسار متكامل شمل دراسة الملف والامتحان الكتابي والامتحان الشفوي، في حين حصر مسلك الزمن الميسر في دراسة الملف فقط بعد أن تكبد المعنيين بالأمر أعباء السفر والمأكل والمبيت من أجل إجراء الامتحان الكتابي الذي ألغي. فأين هو التماثل؟ وأين هو التكافؤ؟ وهل يتحقق مبدأ المساواة بتجريد فئة كاملة من إحدى آليات التقييم بدعوى احترام الشفافية؟
إن القرار الإداري الذي يعلن بعد تنفيذه أو يبرر بعد فقدان الثقة فيه يظل قرارًا معيبًا مسطريًا حتى لو استند إلى مرجع قانوني، وهذه ليست وجهة نظر صحفية، بل قاعدة مستقرة في الفقه الإداري والاجتهاد القضائي، تجعل من وضوح المسطرة واستقرار الزمن الجامعي وإخبار المعنيين في وقت معقول، شروطًا جوهرية في سلامة أي قرار بيداغوجي.
ثم تأتي محاولة تحميل الصحافة مسؤولية “نشر المغالطات” وهي تهمة مريحة لكل إدارة فاشلة في التواصل، فالصحافة لم تخترع الوقائع ولم تفرض إيقاف الامتحانات ولم تغير مسطرة الانتقاء، بل نقلت ما جرى وسألت عما لم يشرح وكشفت ما لم يعلن، ومن يخلط بين النقد والتشويش إنما يخلط بين المرفق العمومي كخدمة، والمرفق كملكية إدارية مغلقة.
وفي نهاية المطاف، لا تقاس قوة المؤسسات بالبلاغات التي تخفي الحقيقة بل بوضوح قراراتها وتحملها لمسؤوليتها في وقتها الطبيعي، ولا تقاس مهنية الصحافة بمدى قربها من الإدارة، بل بقدرتها على مساءلتها حين تختل البوصلة. فالصحافة لم توقف امتحانًا ولم تعلق مسلكًا، ولم تغير مسطرة انتقاء، ولم تبتدع غضب الطلبة الموظفين، بل قامت بدورها الطبيعي وهو كشفت الوقائع وأضاءت التناقضات وطرحت الأسئلة التي هرب منها البلاغ.
أما محاولة شيطنة الصحافة واتهامها بـ“نشر المغالطات”، فليست سوى الحيلة القديمة نفسها التي تلجأ إليها الإدارات حين تعجز عن الاعتراف بفشلها في التدبير والتواصل، كأن المطلوب من الصحافة أن تصفق بدل أن تسائل، وأن تنسخ البلاغات بدل أن تفككها، وأن تغطي العطب بدل أن تكشفه. والحال أن الصحافة في دولة تحترم نفسها لا توجد لتلميع القرارات المرتبكة، بل لقول الحقيقة كما هي حين تخفى حتى وإن كانت محرجة.
وفي المنطق السليم، لا تحاسب الصحافة لأنها أضاءت العطب بل تحاسب الإدارة لأنها صنعته، ولا تلام الجريدة لأنها نشرت ما لم يعلن، بل يسأل من أخفى المعلومة حتى اضطر الرأي العام إلى معرفتها عبر الصحافة. فالصحافة ليست مشكلة هذا الملف بل مرآته، ومن لا يعجبه ما يراه في المرآة، فليصلح وجه القرار لا أن يكسر الزجاج.
وعليه، فإن هذا الملف لا يغلق ببلاغ ولا يطوى بتوضيح متأخر، لأن ما جرى ليس حادثًا معزولًا بل مؤشرًا على اختلالات أعمق في تدبير الشأن البيداغوجي والتواصلي داخل الكلية، وهو ما يجعل من واجب الصحافة الاستمرار في المتابعة، والعودة إلى ملفات أخرى تخص هذه المؤسسة التي كثرت شكايات الطلبة والرأي العام حولها، ليس بدافع الاستهداف، بل من باب الحق في المعلومة وواجب المساءلة، والدفاع عن مرفق عمومي يفترض أن يكون في خدمة الطلبة لا في خصومة معهم.


احسنت الوصف و ادراج الحقيقة بكل مصداقية و شفافية المفقودة من مسؤولين فاشلين و نرجوا ان تمدون بطريقة للتواصل مع الطلبة الذين سيرفعون دعوة في الموضوع ضذ الادارة .
مقال في المستوى المطلوب يشمل تفكيك هادئ وحجة واضحة وتسلسل منطقي يضع المسؤولية حيث يجب أن تكون لا حيث يراد لها أن تدفع
ما كتبته شمال بريس هو ما كان يجب أن تقوله الإدارة بنفسها قبل فوات الأوان لكن الصمت اختير من الادارة فجاءت الصحافة لتقوم بواجبها الصحفي
المقال يضع اليد على جوهر المشكل الذي لا يتمثل في الامتحان بل في طريقة اتخاذ القرار وتوقيته وغياب الإعلان المسبق
صدقتم
difa3 3an talaba howa difa3 3an al3adala wa3an jil bi2akmalih bravo bravo
مقال يثبت أن المشكلة لم تكن يوما في الصحافة بل في إدارة اعتقدت أن البلاغ المتأخر يمحو الأثر… الكاااااو هههه
طرح مهني يحترم عقل القارئ ويستند إلى الوقائع لا الانطباعات.