-
°C
weather
+ تابعنا

حين تفرغ الحكامة من معناها: ماستر “الزمن الميسر” بكلية الحقوق بتطوان تحت مجهر الأسئلة المحرجة

كتب في 10 يناير 2026 - 6:13 م

منذ بداية الجدل المرتبط بماستر “الزمن الميسر” بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان، اختارت جريدة شمال بريس مقاربة هذا الملف من زاوية واحدة وواضحة وهي التنبيه إلى الاختلالات أملاً في تداركها لا في مراكمة الضجيج حولها، سلسلة المقالات الصحفية التي نشرت لم تكن بحثًا عن خصومة مع المؤسسة، بل محاولة للفت الانتباه إلى أعطاب مسطرية وتواصلية كان يمكن ولا يزال تصحيحها بمنطق بسيط اسمه الشرح، وهو منطق لا يعد ترفًا إداريًا بل جوهرًا من جواهر الحكامة التي ما فتئت الخطب الملكية السامية تؤكد عليها، حين دعت مدبري الشأن العام إلى التواصل، والإنصات، وربط القرار بالمساءلة.

في هذا السياق، صدر إعلان كلية الحقوق بتطوان يوم الخميس 08 يناير 2026 المتعلق باستكمال التسجيل بسلك الماستر في إطار “الزمن الميسر”، إعلان يبدو في ظاهره إجراءً إداريًا عاديًا، لكنه في عمقه أعاد إنتاج الإشكال نفسه وهو القرار يُطلب لكن الشرح يُؤجَّل.

الإعلان دعا الطلبة الواردة أسماؤهم ضمن لوائح الانتضار إلى استكمال ملفاتهم عبر المنصة الإلكترونية، واشترط ضمن الوثائق المطلوبة الإدلاء بورقة أداء مستحقات الماستر، مع إضافة جملة مقتضبة تفيد بأن المقاعد الفارغة سيتم شغلها حسب الاستحقاق. لا شيء في هذا الإعلان يخرج عن اللغة الإدارية المعتادة، لكن كل شيء فيه يترك الأسئلة معلقة.

أول هذه الأسئلة وأكثرها بداهة يتعلق بعلاقة الأداء بالقبول، حين تطلب مؤسسة عمومية من مواطن أن يؤدي مبلغًا ماليًا فإن الافتراض الطبيعي هو وجود مقابل واضح ومحدد، فهل يعني الأداء القبول النهائي؟ أم أن الأداء يُطلب قبل الحسم مع احتمال عدم الاستفادة من مقعد؟ الإعلان لا يقول !! والصمت هنا لا يُقرأ بوصفه حيادًا، بل فراغًا تواصليًا يدفع المعنيين إلى التخمين بدل الاطمئنان.

السؤال الثاني لا يقل حساسية وهو ما مصير المبالغ المؤداة في حال عدم الحصول على مقعد؟ هل توجد مسطرة مكتوبة ومعلنة للاسترجاع؟ آجال محددة؟ التزام إداري صريح؟ أم أن الأمر يترك لما بعد في منطق “سندبر الأمر لاحقًا”؟ مرة أخرى، فالإعلان لم يوضح وترك هذا الغموض قائمًا في ملف يعرف أصلًا توترًا كبيرًا.

أما عبارة “حسب الاستحقاق” فهي رغم وجاهتها الأخلاقية تظل فارغة من معناها العملي حين لا تقرن بمعيار واضح، ما هو الاستحقاق في هذه المرحلة؟ ترتيب منشور؟ لائحة انتظار؟ إعادة دراسة الملفات؟ أم اعتماد معايير سابقة دون إعلان؟ السؤال ليس تشكيكًا في النيات بل طلبًا لمعرفة القواعد قبل الالتزام بها، وهو حق لا يحتاج إلى تبرير.

وإلى جانب هذه الأسئلة المرتبطة مباشرة بالإعلان، عاينت جريدة شمال بريس من خلال تتبعها للنقاش العمومي حجم القلق الذي يسود في صفوف الطلبة المقبلين على الامتحانات يوم 12 يناير 2026، والموظفين المعنيين بماستر الزمن الميسر. هذا القلق يعبر عنه يوميًا عبر تدوينات على الفايسبوك، ونقاشات داخل مجموعات الواتساب التي تخص الطلبة، حيث تتكرر الأسئلة نفسها من قبيل ماذا يقع؟ إلى أين يتجه هذا المسلك؟ وهل الامتحانات قائمة فعلًا أم مهددة؟

في المقابل، يسجل متابعون ما يعتبرونه ضعفًا شديدًا في التواصل داخل الكلية، سواء على مستوى العلاقة بين الطلبة والإدارة أو بين الأساتذة والإدارة، في لحظة كان فيها التواصل ضرورة لا خيارًا. وتتعمق المفارقة حين يلاحظ أن الكلية في الوقت نفسه، تنخرط في تنظيم أنشطة من قبيل “المنتدى الوطني للقانون من وجهة نظر الشباب”، الذي تشارك فيه عميدة الكلية بمداخلة تحمل عنوانًا دالًا: “الفاعلون في التخطيط الترابي وسؤال الحكامة”.

المفارقة هنا لا تطرح بوصفها اتهامًا بل بوصفها سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا في آن واحد، فكيف تناقش الحكامة في القاعات، بينما يشتكي المرتفقون من غيابها في الممارسة اليومية؟ كيف يرفع شعار التخطيط الرشيد، في حين تترك ملفات بيداغوجية حساسة تعيش حالة من الغموض والتوجس؟ فالحكامة في النهاية لا تقاس بعدد الندوات ولا بعناوين المداخلات، بل بقدرة الكلية على تدبير أزماتها واحتواء قلق طلبتها، ومنع انزلاق سوء الفهم نحو احتقان مفتوح.

وحسب ما يتم تداوله في الفضاءات الرقمية، عدد من الطلبة الموظفين يعتبرون أن ماستر الزمن الميسر “يتجه نحو المجهول”، ليس بسبب القرارات الانفرادية فقط، بل أيضا بسبب تراكم الصمت. ويزداد هذا الإحساس أيضا لدى طلبة سلك الاجازة مع اقتراب مواعيد الامتحانات، خاصة بالنسبة للطلبة الذين سيضطرون إلى تحمل عناء السفر ومصاريف التنقل والإقامة، في ظل تداول أخبار غير مؤكدة رسميًا تتحدث عن احتمال مقاطعة الامتحانات كما ورد في بعض التدوينات المنشورة على فايسبوك.

في مثل هذا السياق، كان المنتظر في نظر كثيرين أن تنصرف الجهود أولًا إلى تأمين السير العادي للامتحانات وطمأنة الطلبة المقبلين على الامتحانات، وتوضيح المساطر بالنسبة للموظفين المعنيين بماستر الزمن الميسر قبل أي شيء آخر، لأن الحكامة ليست موضوع مداخلة أكاديمية بل ممارسة يومية تبدأ من أبسط التفاصيل المتعلقة بالجواب في وقته، توضيح مكتوب، ومعاملة المرتفق باعتباره شريكًا لا عبئًا.

في نهاية المطاف لا يطرح هذا المقال أجوبة جاهزة ولا يصدر أحكامًا قطعية، بل يضع أمام عمادة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان مرآة الأسئلة التي يطرحها المعنيون من قبيل هل يؤدي الطالب مقابل مقعد مضمون، أم مقابل احتمال؟ هل تدار الملفات الحساسة بمنطق الشرح أم بمنطق الصمت؟ وهل الحكامة التي نتغنى بها في الندوات تجد طريقها فعلًا إلى التدبير؟

إلى أن تحسم هذه الأسئلة بتوضيح رسمي صريح، سيظل ملف ماستر الزمن الميسر شاهدًا على أحد أخطر اختلالات التدبير العمومي، وهو ليس الخطأ في القرار بل الإصرار على تركه بلا شرح، وضع تفرضه الوقائع كما عاشها المعنيون لا التأويلات المسبقة، ويطرح سؤالًا لا يقبل التخفيف وهو هل نحن أمام إدارة تدبر الملفات الحساسة بعقلية “دع الأمور تسير كما جاءت”، أم أمام إحساس مطمئن بأن القرار ما دام قد صيغ من طرف المسؤولين في العمادة لا يحتاج إلى تفسير ولا يخضع لرقابة أو مساءلة؟ سؤال لا يدين أحدًا لكنه يكشف كيف يمكن للصمت حين يتحول إلى منهج، أن يفرغ مفهوم الحكامة من مضمونه، ويحول المؤسسة من فضاء عمومي يفترض فيه الشرح والإقناع، إلى سلطة صامتة لا تشرح، وحين لا تشرح… تفقد مبرر الثقة فيها.

يتبع…

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .