لم يعد سقوط هشام جيراندو مسألة تأويل أو اختلاف في الرأي، بل تحول إلى واقعة موثقة كشفت هشاشة الخطاب الذي ظل يقدمه لمتابعيه تحت شعار “المعلومة الحصرية”. فمكالمة هاتفية عادية، قادها الناشط الطنجاوي إبراهيم الشرقاوي، كانت كافية لإسقاط رواية كاملة بُنيت على ادعاءات بلا تدقيق، وأظهرت أن ما كان يُسوَّق كشبكة مصادر قوية لم يكن سوى صدى لأخبار غير ممحصة.
الواقعة، التي انطلقت من قصة مفبركة حول عملية تهريب مزعومة بشاطئ سيدي قنقوش، تحولت بسرعة إلى اختبار حقيقي لمدى مهنية جيراندو، إذ تلقف أسماء ساخرة من الثقافة الرقمية الطنجاوية وقدمها للرأي العام كمعطيات “أمنية خطيرة”، في مشهد أبرز الفارق بين العمل الإعلامي القائم على التحقق، وبين محتوى يقوم على الإثارة السريعة دون أدنى مسؤولية تحريرية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الخطأ، بل كشف البث المباشر الذي ظهر فيه جيراندو اندفاعا لافتا نحو تضخيم إشاعة غير مؤكدة، وهو ما اعتبره متابعون دليلا على غياب منهجية واضحة للتحقق من المعلومات. فبدل مساءلة المصدر أو اختبار صدقية الرواية، تحولت المنصة إلى فضاء لإعادة تدوير المعطيات كما وردت، الأمر الذي جعلها عرضة للانتقاد والسخرية في آن واحد.
وفي امتداد لهذه الواقعة، تحول اسم جيراندو إلى مادة ساخرة تتصدر نقاشات منصات التواصل الاجتماعي خصوصا بجهة طنجة تطوان الحسيمة، حيث باتت الثلاثية “عمي علي” و“حالوبو” و“جيراندو” العنوان الأبرز لتعليقات النشطاء الذين تداولوا المقطع بكثافة، معتبرين أن ما حدث يكشف حجم التسرع الذي سقط فيه صاحب منصة تحدي. فموجة التهكم الرقمي لم تكن مجرد ضحك عابر، بل عكست رأيا عاما يرى في الواقعة دليلا صارخا على هشاشة الخطاب الذي كان يُقدَّم كـ“تحقيقات كبرى”، قبل أن ينقلب إلى مادة فكاهية يتداولها المتابعون بسخرية لاذعة.
اليوم، لم تعد القضية مجرد “مقلب رقمي” من مواطن بسيط، بل مؤشر على أزمة أعمق تعيشها بعض منصات ما يسمى بالمعارضة الرقمية، حيث يتم خلط الرأي بالخبر والادعاء بالحقيقة. وسقوط جيراندو في فخ اتهام شخصيات فكاهية بجرائم خطيرة أعاد طرح سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر بإعلام بديل فعلا، أم بمنظومة خطابية تقوم على الإثارة والضجيج أكثر مما تقوم على المهنية والمسؤولية؟
وبين سخرية المنصات وتساقط روايات “جيراندو” الواحدة تلو الأخرى، يرى متابعون أن ما حدث لم يكن مجرد زلة عابرة، بل لحظة فاصلة قد تعلن نهاية ظاهرة جيراندو رقمياً، بعد أن فقد أهم رأسمال في هذا المجال وهو الثقة والمصداقية.
تعليقات الزوار ( 0 )