أثار الإعلان عن تأسيس ما سمي بـ“الهيئة الوطنية للمحكمين بالمغرب” تفاعلا مؤسساتيا لافتا، بعدما خرجت وزارة العدل ببلاغ رسمي للرأي العام، أوضحت من خلاله موقفها من هذا الإطار الجديد، مؤكدة أن إحداث هيئات وطنية للمهن القانونية لا يمكن أن يتم إلا بموجب نص قانوني صريح يحدد طبيعتها واختصاصاتها وهياكلها ومهامها.
وجاء بلاغ الوزارة الذي توصلت به جريدة شمال بريس، المؤرخ في 3 ماي 2026، بعد أيام قليلة من الإعلان عن تأسيس الهيئة، حيث أكدت وزارة العدل أنها فوجئت بصدور بلاغ عن عدد من المحكمين المسجلين في القائمة الممسوكة لديها، يعلنون فيه تأسيس ما أسموه “الهيئة الوطنية للمحكمين بالمغرب”، وما أعقب ذلك من انتخاب مكتب تنفيذي وإصدار بلاغات تمنح هذا الإطار صفة وطنية وتمثيلية.
واعتبرت الوزارة أن هذه الخطوات تفتقر إلى أي سند قانوني أو مشروعية، خاصة ما يتعلق بادعاء تمثيل المحكمين وطنيا، والدفاع عن مصالحهم، وتسوية النزاعات الناشئة بينهم، والتنسيق مع وزارة العدل والجهات القضائية وغير القضائية ومؤسسات الدولة في كل ما يتصل بمجال التحكيم.
وشددت وزارة العدل على أن الهيئات الوطنية الخاصة بالمهن القانونية لا تحدث بمبادرات فردية أو ارتجالية، بل بمقتضى نص قانوني يمنحها الشخصية الاعتبارية والاستقلالين المالي والإداري، ويحدد صلاحياتها وأجهزتها ومواردها المالية وأدوارها المهنية، باعتبارها مؤسسات تضطلع بمهام ذات طابع عام يتم تفويضها من طرف الدولة.
وفي توضيح ذي دلالة قانونية، أكدت الوزارة أن الإطار القانوني الحالي المنظم للتحكيم والوساطة الاتفاقية، ولا سيما القانون رقم 95.17، لا يتضمن أي مقتضى يسمح بإحداث هيئة تمثيلية لفئة المحكمين أو يحدد اختصاصاتها. كما أبرزت أن التحكيم وفق التصور القانوني الحالي، يعد “مهمة” وليس “مهنة” مستقلة تستوجب إحداث هيئة قائمة بذاتها، لكون ممارسيه ينتمون في الأصل إلى مهن مختلفة، يخضع كل منها لتنظيم قانوني خاص.
وفي مقابل رفضها إضفاء أي صفة تمثيلية على الهيئة المعلن عنها، كشفت وزارة العدل أنها فتحت انطلاقا من اختصاصها التشريعي، ورشا لتعديل القانون المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية، بهدف ملاءمته مع المعايير الدولية، مع التفكير في إرساء آلية مناسبة لتنظيم هذه المهام مستقبلا.
وأكد البلاغ أن الهيئة المذكورة لا تملك أي صفة للتحدث باسم المحكمين المسجلين في اللائحة الممسوكة لدى الوزارة، سواء داخل المغرب أو خارجه، ولا تمثيلهم أمام الجهات القضائية أو غير القضائية، كما لا يحق لها بهذه الصفة تلقي أي إعانات مالية أو مبالغ نقدية.
وختمت وزارة العدل بلاغها بالتأكيد على أنها ستتخذ بتنسيق مع الجهات المختصة، جميع الإجراءات اللازمة للوقوف على ملابسات هذه التصرفات وظروفها، وتحديد المسؤوليات المترتبة عنها، في إشارة إلى أن الملف قد يأخذ أبعادا قانونية وتنظيمية خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا البلاغ ليعيد النقاش حول موقع التحكيم داخل منظومة العدالة البديلة بالمغرب، وحدود التنظيم الذاتي للفاعلين في هذا المجال، خاصة في ظل تزايد الحاجة إلى آليات حديثة وفعالة لتسوية النزاعات، لكن ضمن إطار قانوني واضح يضمن الشرعية، ويحفظ الثقة في المؤسسات، ويمنع الخلط بين المبادرات المهنية الفردية والهيئات الوطنية المؤسسة بقوة القانون.


تعليقات الزوار ( 0 )