أقرت المحكمة الدستورية بعدم مطابقة عدد من مقتضيات القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول للدستور، معتبرة أن بعض مواده يشوبه غموض في الصياغة وقصور تشريعي من شأنه التأثير على الأمن القانوني وحقوق المرتفقين، لاسيما في ما يرتبط بحالات التنافي، وتلقي العقود من الأشخاص ذوي الإعاقة السمعية أو الكلامية، وشروط شهود اللفيف، إضافة إلى مقتضيات تهم تنظيم الهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية.
وجاء قرار المحكمة، الصادر اليوم الاثنين 15 يونيو 2026، بعد إحالة تقدم بها 93 عضوا بمجلس النواب، طالبوا من خلالها بالبت في مدى مطابقة عدد من مواد القانون المذكور للدستور، استنادا إلى أحكام الفصل 132 من الدستور. وقضت المحكمة بعدم دستورية المواد 8 و53 في فقرتيها الأولى والثانية، و67 في بندها الأول، فضلا عن المواد من 140 إلى 194 من البابين الثاني عشر والثالث عشر، في حدود ما أغفلته من ضمان استمرارية المرفق العام التوثيقي.
وفي تعليلها للقرار، اعتبرت المحكمة أن المقتضيات المتعلقة بتلقي العقود من الأشخاص العاجزين عن الكلام أو السمع عبر “الإشارة المفهومة” تفتقر إلى الضبط القانوني اللازم، ما قد يجعل إرادة هذه الفئة عرضة لسوء التأويل أو التدليس، خاصة في غياب إلزامية الاستعانة بخبير أو مترجم مؤهل. كما سجلت أن استعمال عبارة “كل شخص مؤهل” يفتح الباب أمام اختلاف التأويلات، لعدم تحديد الصفة القانونية الدقيقة للشخص الذي يمكنه التدخل في مثل هذه الحالات.
كما وقفت المحكمة عند البند المتعلق بشهود اللفيف، معتبرة أن عبارة “ذكورا وإناثا” تفتقر إلى مدلول قانوني موحد، وقد تؤدي إلى تطبيقات قضائية متباينة تمس استقرار المراكز القانونية. وأكدت أن حذف هذه العبارة مع الإبقاء على العدد المحدد في 12 شاهدا قد ينشئ قاعدة جديدة تخالف إرادة المشرع، الذي قصد تمكين الذكور والإناث من أداء الشهادة ضمن شروط يحددها القانون بوضوح.
وفي ما يخص حالات التنافي، رأت المحكمة أن المادة الثامنة لم تضع تنظيما إجرائيا واضحا يحدد آجال تسوية الوضعية، ولا مسطرة التصريح بحالة التنافي، ولا الجهة المختصة بتلقيها والبت فيها، معتبرة أن هذا السكوت يشكل إغفالا تشريعيا يطال عناصر جوهرية لازمة لتطبيق القاعدة القانونية بشكل منصف ومتوازن.
وشمل القرار أيضا مقتضيات تنظيم الهيئة الوطنية للعدول والمجالس الجهوية، حيث اعتبرت المحكمة أن هذه المؤسسات، بحكم مساهمتها في تدبير مرفق عام ذي طبيعة قضائية وتوثيقية، يجب أن تخضع لمبدأ استمرارية المرفق العام. غير أن المواد المنظمة لها أغفلت وضع آليات قانونية لمعالجة حالات التعطيل أو العجز أو عدم انتظام الاجتماعات، وهو ما قد يؤثر على مصالح المرتفقين وضماناتهم الأساسية.
وبالمقابل، صرحت المحكمة الدستورية بمطابقة مواد أخرى للدستور، من بينها المواد 37 و50 و51 و55 في فقرتها الثانية و63 في فقرتها الأولى و77 في فقرتيها الثانية والثالثة، كما أقرت بدستورية المادة 120 شريطة فهمها على أن إحالة مقترحات اللجنة التأديبية إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل لا تمنح وزير العدل صلاحية إعادة النظر فيها، وإنما تقتصر على ممارسة الاختصاصات التنفيذية والإدارية اللازمة لتنفيذ المقرر وترتيب آثاره القانونية.


تعليقات الزوار ( 0 )