أصبح العنف الرقمي ضد النساء من أبرز الإشكالات المستجدة التي تفرض نفسها بقوة على السياسة الجنائية المعاصرة، في ظل التحول العميق الذي عرفه الفضاء الرقمي واتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية. فقد لم يعد هذا الفضاء مجرد مجال للتواصل وتبادل المعطيات، بل تحول في كثير من الحالات إلى بيئة موازية تمارس فيها أشكال متعددة من العنف الموجه ضد النساء، تتراوح بين التشهير الإلكتروني والابتزاز الرقمي والتحرش عبر الشبكات الاجتماعية، وصولا إلى انتحال الهوية الرقمية وانتهاك الحياة الخاصة ونشر المعطيات والصور خاصة. وهو ما يجعل من هذا النوع من العنف تهديدا مباشرا لكرامة المرأة وأمنها الشخصي واستقرارها الاجتماعي والنفسي.
وتتسم هذه الجرائم بخصوصية تجعل مواجهتها أكثر تعقيدا مقارنة بالعنف التقليدي، إذ تتميز بسرعة انتشار المحتوى الرقمي وصعوبة التحكم فيه بعد نشره، إضافة إلى إمكانية ارتكابها عبر هويات وهمية أو من خارج الحدود الوطنية، مما يطرح إشكالات قانونية وقضائية متعلقة بالاختصاص والإثبات. كما أن الطبيعة التقنية لهذه الأفعال تجعل من تتبع مرتكبيها وجمع الأدلة بشأنها عملية دقيقة ومعقدة، خاصة في ظل إمكانية حذف المعطيات أو تعديلها أو تشفيرها.
وفي هذا السياق، سعى المشرع المغربي إلى مواجهة هذه التحولات من خلال مجموعة من النصوص القانونية، من بينها القانون رقم 07.03 المتعلق بجرائم المس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات، الذي جرم الولوج غير المشروع إلى الأنظمة المعلوماتية والاعتداء على المعطيات الرقمية والاحتيال المعلوماتي، غير أن نطاقه ظل مرتبطا بالجرائم المعلوماتية التقنية أكثر من ارتباطه بالعنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي. كما جاء القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء بمجموعة من التدابير الزجرية والوقائية التي تهدف إلى تعزيز حماية المرأة، من خلال تجريم بعض صور العنف المعنوي والتحرش وتشديد العقوبات في بعض الحالات، غير أن هذا النص بدوره لم يواكب بشكل صريح العنف الرقمي. وإلى جانب ذلك، يوفر القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي إطارا لحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، لكنه يظل غير كاف لوحده لمواجهة التطور المتسارع للجرائم الرقمية ذات الطابع العنيف.
ورغم أهمية هذه الترسانة القانونية، فإنها تكشف عن نوع من التشتت في معالجة الظاهرة. فغياب تعريف قانوني جامع للعنف الرقمي ضد النساء باعتباره صورة مستقلة من العنف القائم على النوع، وهو ما يؤدي إلى صعوبة في التأطير القانوني الدقيق لبعض السلوكات المستجدة مثل الملاحقة الرقمية المستمرة أو العنف النفسي عبر الوسائط الإلكترونية أو التهديدات غير المباشرة. كما أن فعالية الحماية الجنائية تبقى محدودة أمام الإشكالات المرتبطة بالإثبات، حيث يصعب في كثير من الحالات تحديد هوية الفاعل أو تقديم أدلة رقمية ثابتة، بسبب الطبيعة المتغيرة للمعطيات الإلكترونية وسهولة إتلافها أو إخفائها، إضافة إلى الطابع العابر للحدود الذي يميز هذا النوع من الجرائم.
وتزداد حدة هذه الإشكالات مع وجود عوائق اجتماعية ونفسية مرتبطة بالضحايا، حيث يؤدي الخوف من الوصم الاجتماعي أو فقدان السمعة إلى ضعف التبليغ عن هذه الأفعال، مما يحد من فعالية تدخل العدالة الجنائية. وأمام هذا الوضع، برزت جهود مؤسساتية مهمة، خاصة من خلال تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية وتطوير وحدات متخصصة في مكافحة الجرائم المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، سواء على المستوى المركزي أو الجهوي، إضافة إلى إحداث مختبرات للخبرة الرقمية، بما يعكس إدراكا متزايدا لخطورة هذه الظاهرة وضرورة التعامل معها بآليات تقنية متقدمة.
وإذا كانت السياسة الجنائية قد قطعت خطوات مهمة في هذا المجال، فإن التحدي لا يزال قائما أمام ضرورة تطوير مقاربة أكثر شمولا وفعالية، تتجاوز الطابع التقليدي للتجريم نحو بناء رؤية مندمجة تجمع بين الوقاية والحماية والزجر، وتراعي خصوصية الفضاء الرقمي. وهو ما يقتضي إعادة النظر في الإطار التشريعي من خلال بلورة تعريف قانوني واضح للعنف الرقمي ضد النساء، وتحيين النصوص القائمة لتواكب المستجدات التكنولوجية، وتعزيز وسائل الإثبات الرقمية إلى جانب دعم التعاون بين مختلف الفاعلين القضائيين والأمنيين والتقنيين، وتوفير حماية قانونية ونفسية فعالة للضحايا، مع نشر الوعي الرقمي وترسيخ ثقافة الاستخدام الآمن للفضاء الإلكتروني.
وفي الختام، يمكن القول إن العنف الرقمي ضد النساء لم يعد مجرد امتداد افتراضي للعنف التقليدي، بل أصبح ظاهرة قائمة بذاتها تمس الأمن المجتمعي وتهدد الحقوق الأساسية للأفراد، مما يجعل مواجهته مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود التشريعية والمؤسساتية والمجتمعية.
الدكتورة نهاد أفقير
أستاذة القانون الجنائي
جامعة الحسن الأول – سطات


تعليقات الزوار ( 0 )