عزّز المشرّع المغربي التدابير العلاجية لإعادة تأهيل الحدث، من خلال ما جاء في تعديلات القانون رقم 03-23 بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.25.55 بتاريخ 13 غشت 2025، لا سيما في كتابه الثالث المتعلق بالقواعد الخاصة بالأحداث، معتمدًا على مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، معززًا من دور تدابير نظام الحراسة المؤقتة، ومواكبًا مع التوجه التشريعي العالمي في مجال العدالة الجنائية للأحداث القائم على إعطاء الأولوية لتدابير الحماية والتأهيل بدل عقوبة الحبس والزجر.
فموضوع عدالة الأحداث، هو أساس حماية الطفل ومعيارها الأساسي، كونه يطرح إشكالية رئيسية تتمثل في كيفية التوفيق بين حق المجتمع في التصدي للجريمة وبين حق الطفل في الرعاية والمعاملة المخالفة عن معاملة الرشداء، خاصة وأن المجتمع لازال مؤمنًا بنظرية الضحية وضرورة العقاب أيًا كان سن مرتكب الفعل الجرمي.
لذا، عمل المشرع من خلال تعديلات قانون المسطرة الجنائية على حفظ كل حقوق الطفل المتعارف عليها دوليا، مانحا دورا رياديا لقضاء الاحداث في حماية وتفعيل هذه الحقوق، وجاعلا من النيابة العامة راعيا لهذه الحقوق ورقيبا على تنفيذ اوامر ومقررات قضاء الاحداث.
وبالنظر الى التعديلات الاخيرة التي طرأت على القواعد الخاصة بالاحداث والمنصوص عليها في الكتاب الثالث من قانون المسطرة الجنائية، يحق لنا ان نتساءل الى اي حد نجحت هذه التعديلات في تحقيق توازن فعال بين مقاربتين متعارضتين ظاهريا اصلاحية واخرى عقابية؟
وهو ما سنحاول الاجابة عليه من خلال فقرتين نعالج في أولاهما: المبادئ الموضوعية للقواعد الخاصة بالاحداث على ان نخصص الفقرة الثانية للمبادئ المسطرية.
الفقرة الأولى: المبادئ الموضوعية للقواعد الخاصة بالأحداث
يمكن القول بأن من أهم المبادئ الموضوعية التي تقوم عليها القواعد الخاصة بالأحداث نذكر:
- مبدأ المصلحة الفضلى للحدث:
يعد مبدأ المصلحة الفضلى للطفل من المبادئ الحقوقية الأساسية التي جاءت بها اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989، وهو المبدأ الذي يروم حماية الطفل باعتباره من الفئات الهشة الجديرة بالحماية، ويتعين استحضاره في مختلف المجالات ذات الصلة بالطفل، ولا يستثنى هذا المبدأ في القواعد الخاصة بالأحداث.
وتجدر الإشارة إلى أن المملكة المغربية صادقت على هذه الاتفاقية بتاريخ 14 يونيو 1993، مما شكل إسهاما نوعيا في مسار حماية الطفولة وتدعيم دولة الحق والقانون.
وهكذا، فقد جاء في المادة 3-1 من الاتفاقية أنه “في جميع القرارات المتعلقة بالأطفال، سواء كانت صادرة عن المؤسسات العامة أو الخاصة المعنية بحماية الطفل، المحاكم، السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية، يجب أن تكون المصلحة الفضلى للطفل اعتبارا أساسيا”. والملاحظ أن هذه الاتفاقية لم تضع تعريفا لمفهوم مصلحة الطفل الفضلى.
وعليه، فالتطبيق السليم لهذا المبدأ، يفرض على قضاة الأحداث استحضاره في جميع الإجراءات والتدابير المتخذة في حق الأحداث، بما لهم من سلطة تقديرية في تفسيره وتطبيقه حسب كل حالة على حدة، آخذين بعين الاعتبار سن الحدث، وشخصيته، وحالته الاجتماعية، وظروف ارتكابه للفعل الجرمي، معتمدين في ذلك على التقارير الاجتماعية والنفسية التي يعدها المساعدين الاجتماعيين بالمحكمة عند تقييم وضعية الحدث واتخاذ أي قرار، سواء كان مؤقتا أو نهائيا، خاصة وأن هذه التقارير تعتبر عينا للقاضي على الواقع الاجتماعي للحدث.
وعلى هذا الأساس، فقد عزز قانون المسطرة الجنائية دور مكتب المساعدة الاجتماعية بتأكيده في المادة 474 على أنه “يمكن لقاضي الأحداث أن يسند أمر البحث الاجتماعي إلى الإدارة المكلفة بالشؤون الاجتماعية، أو إلى الجمعيات أو الأشخاص المؤهلين لهذه الغاية، أو إلى مكتب المساعدة الاجتماعية بالمحكمة”، كما نص في المادة 496 من نفس القانون أنه “يعين مندوب لرعاية كل حدث إما بأمر من قاضي الأحداث لدى المحكمة الابتدائية، وإما بأمر صادر عن المستشار المكلف بالأحداث بمحكمة الاستئناف، أو بمقرر صادر عن إحدى الهيئات القضائية المشار إليها في المادة 462 من هذا القانون. يمكن أيضا أن يعهد بهذه المهمة إلى مكتب المساعدة الاجتماعية بالمحكمة”.
وجاء في المادة 510 أنه “يمكن للنيابة العامة أو لقاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث الأمر بعرض الحدث على خبرة طبية أو نفسية أو عقلية لتحديد نوع وأهمية الأضرار اللاحقة به وبيان ما إذا كان يحتاج إلى علاج ملائم لحالته حالا ومستقبلا. ويمكنهم أيضا الاستعانة بمكتب المساعدة الاجتماعية بالمحكمة، الذي يتولى الاستقبال الأولي للأطفال الضحايا في مكتب خاص يراعي خصوصية أوضاعهم ومصلحتهم الفضلى، ويعمل على تقديم الدعم النفسي لهم والاستماع إليهم، كما يتولى مرافقتهم داخل المحاكم”.
وتطبيق هذا المبدأ يثير إشكالية تتعلق بالزمن المتاح لتقديم مصلحة الحدث، فالتقييم الأولي الذي يتم خلال مرحلة الاحتفاظ بالحدث لدى الشرطة القضائية قد يختلف عن التقييم الذي يتم لاحقا خلال مرحلة المحاكمة.
إضافة إلى ذلك، فإن توقيت التقييم أثناء مختلف مراحل الإجراءات المسطرية يؤثر بشكل كبير في نتائجه، فالتقييم الأولي حين تكون المعلومات الشخصية عن الحدث محدودة قد يكون مختلفا تماما عن التقييم النهائي الذي يتم أثناء المحاكمة.
- التمييز أساس المسؤولية الجنائية للحدث:
سعى المشرع المغربي من خلال التعديلات الأخيرة إلى ملاءمة المسطرة الجنائية مع الفقرة 3 من المادة 40 من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، والتي توصي الدول بتحديد سن أدنى لا يمكن للطفل متابعته جنائيا، من خلال الفقرة الثانية من المادة 458 من قانون المسطرة الجنائية.
كما نصت المادة 461-1 من قانون المسطرة الجنائية أنه “إذا كانت الأفعال المنسوبة لحدث يقل عمره عن 12 سنة كاملة، فإن النيابة العامة تتخذ قرارا بحفظ القضية لانعدام مسؤوليته الجنائية وتسلمه إلى أبويه أو الوصي عليه أو المقدم عليه أو حاضنه أو كافله أو المكلف برعايته”.
- الإصلاح والتهذيب قبل العقاب:
تقوم فلسفة المشرع في قانون المسطرة الجنائية بالنسبة لقضايا الأحداث على أنه لا ينبغي النظر إلى الحدث الذي ارتكب فعلا بعد في نظر القانون الجنائي على أنه شخص يستحق العقاب، بل يجب أن يرافق ويوجه، وهو ما تم تأكيده صراحة في المادة 462-1 من قانون المسطرة الجنائية على أنه “لا تكتسي محاكمة الأحداث طبيعة عقابية”.
وهكذا، فإنه يمكن إخضاع الحدث إما لنظام الحراسة المؤقتة وذلك بتسليمه إلى أبويه أو الوصي عليه أو المقدم عليه أو كافله أو حاضنه أو إلى شخص من عائلته جدير بالثقة، وإلى مركز للملاحظة أو قسم الإيواء بمؤسسة عمومية أو خصوصية أو مصلحة عمومية أو مؤسسة عمومية مكلفة برعاية الطفولة أو إلى مؤسسة صحية بالأخص في حالة ضرورة معالجة الحدث من التسليم إلى إحدى المؤسسات أو المعاهد المعدة للتربية أو الدراسة أو التكوين المهني، أو إلى جمعية ذات منفعة عامة أو إلى أسرة مستقبلة وغيرها من التدابير المنصوص عليها في المادة 471 من قانون المسطرة الجنائية.
كما يمكن إخضاعه لتدابير نظام الحراسة المؤقتة للحماية أو التهذيب وفقًا لمقتضيات المادة 481 من قانون المسطرة الجنائية:
-
تسليم الحدث لأبويه أو الوصي عليه أو المقدم عليه أو كافله أو حاضنه أو لشخص من عائلته جدير بالثقة أو للمؤسسة أو الشخص المكلف برعايته أو إلى أسرة مستقبلة.
-
إخضاعه لنظام الحرية المحروسة.
-
إيداعه في معهد أو مؤسسة عمومية أو خاصة للتربية أو التكوين المهني ومعدة لهذه الغاية.
-
إيداعه تحت رعاية مصلحة أو مؤسسة عمومية مكلفة بالمساعدة.
-
إيداعه بقسم داخلي صالح لإيواء جانحين أحداث لازالوا في سن الدراسة.
-
إيداعه بمؤسسة معدة للعلاج أو التربية الصحية.
-
إيداعه بمصلحة أو مؤسسة عمومية معدة للتربية المحروسة أو التربية الإصلاحية.
ويمكن إعفاء الحدث من هذه التدابير وفقًا لمقتضيات المادة 468 من قانون المسطرة الجنائية التي تتعلق بالمخالفات، بالاقتصار على توبيخ الحدث أو الحكم بالغرامة المنصوص عليها قانونًا.
ولا يتخذ في حق الحدث الذي لم يبلغ الثانية عشرة من عمره سوى التسليم لأبويه أو حاضنه أو الوصي عليه أو المقدم عليه أو كافله أو الشخص أو المؤسسة المعهود إليها برعايته.
والملاحظ أن المشرع أضاف “الأسرة المستقلة” إلى قائمة التدابير البديلة للإيداع في السجن أو حتى بديلا للتسليم للأسرة الأصلية إذا كانت هذه الأخيرة غير مؤهلة.
وعلى القاضي عند اتخاذ هذا التدبير، أن يتأكد من أهلية الأسرة الحاضنة من خلال تقارير المساعدة الاجتماعية، ويستحضر أن هذا التدبير هو لصالح الحدث في حالات كثيرة ويجب استغلاله عندما يكون الأنسب فقط.
وطالما أن الحرية هي الأصل وأن أي تدبير سالب للحرية يجب أن يكون استثنائيا ومبررا، فقد منعت المادة 473 من قانون المسطرة الجنائية إيداع الحدث في السجن إذا كان عمره أقل من 14 سنة في الجنايات أو 16 سنة في الجنح مهما كانت الجريمة. وعلى القاضي هنا البحث عن بدائل إيداع في مراكز حماية الطفولة أو مؤسسات الرعاية الاجتماعية بدلا من السجن.
كما تم توسيع نطاق الصلح في الجنح، وإيقاف سير الدعوى العمومية في حالة سحب الشكاية أو تنازل المتضرر.
• الفقرة الثانية: المبادئ المسطرية للقواعد الخاصة بالأحداث.
نذكر منها:
-
مبدأ سرعة مسطرة التقاضي:
وهو من أهم المبادئ التي تميز إجراءات محاكمة الأحداث وسرعة البت في قضاياهم، بدءًا من إجراءات البحث التمهيدي التي يتعين أن تتم بالسرعة اللازمة، وتحديد مدة الاحتفاظ بالحدث بالمادة الأصلية للحراسة النظرية (48 ساعة) دون إمكانية التمديد إلا في الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية بشروط شديدة (موافقة النيابة العامة، ضرورة البحث، سلامة الحدث).
وضمانًا لسرعة البت تم تعزيز البيئة المؤسساتية والتخصص في قضاء الأحداث، بالتنصيص على تعيين قضاة الأحداث والمستشارين المكلفين بالأحداث لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بغرض ضمان وجود قضاة متخصصين ومستقرين، لديهم الخبرة والكفاءة للتعامل مع قضايا الأحداث.
كما أن قاضي الأحداث أصبح ملزمًا في البت في القضايا المعروضة عليه داخل أجل معقول يحدد من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية على سبيل الإرشاد في المرحلة الابتدائية مثلًا في 21 يومًا.
ومنعًا لإطالة أمد الحرية المؤقتة للحدث والتي قد تستغرق شهورًا أو سنوات (بما فيها العقوبة الحبسية)، مما يشكل عقوبة غير مبررة قبل المحاكمة ويناقض روح العدالة الإصلاحية، فقد حددت المادة 462-1 من قانون المسطرة الجنائية عدد مرات تمديد الاعتقال الاحتياطي للحدث (مرة واحدة في الجنح، مرتين في الجنايات، ثلاث مرات لجرائم المادة 108 من قانون المسطرة الجنائية). وعلى قاضي التحقيق أو هيئة الحكم احترام هذه المدد وأي تمديد خارج هذا الإطار يجعل الإجراء باطلًا.
- تعميم السرية على جميع مراحل الدعوى ومختلف الهيئات:
يعتبر مبدأ السرية الأساس القانوني لنظام عدالة الأحداث، فهو لا يهدف فقط إلى حماية خصوصية الحدث، بل إلى حماية من الوصمة الاجتماعية التي قد تدمر فرصه في الإصلاح وإعادة الاندماج في المجتمع، ولقد أولى قانون المسطرة الجنائية وفق آخر التعديلات عناية فائقة، معززًا إياه بضمانات عملية وعقوبات رادعة. والسرية قاعدة عامة ومطلقة في جميع درجات ومراحل التقاضي المتعلقة بالأحداث، وليس مجرد استثناء أو حكم خاص بمرحلة معينة.
وقطعًا مع بعض الممارسات القديمة حيث كانت تنشر الأسماء الكاملة للأحداث والجرائم المتابعين فيها في الجداول الورقية للجلسات، وعلى الشاشات الحائطية، وفي الأجهزة الإلكترونية المتواجدة داخل فضاءات المحاكم، فقد جاءت المادة 466 من قانون المسطرة الجنائية لوضع حد لهذه الأفعال بمنع نشر أي بيانات عن جلسات الهيئة القضائية للأحداث في الكتب والصحافة والإذاعة وعن طريق الصور والسينما والتلفزة أو غيرها من وسائل النشر الإلكترونية أو السمعية البصرية أو أية وسيلة أخرى، ويمنع أيضًا أن ينشر بنفس الطرق كل نص أو رسم أو صورة تتعلق بالأحداث سواء كانوا ضحايا أو في وضعية صعبة أو في نزاع مع القانون.
هذه أبرز المبادئ التي جاء بها قانون المسطرة الجنائية وفق آخر التعديلات، وإن كنا نفضل أن يحذو المشرع المغربي حذو المشرع الفرنسي ويصدر قانونًا للأحداث، ينشئ بموجبه مدونة متكاملة للعدالة الجنائية للأحداث code de la justice pénale des mineurs، تمكن من تبسيط الإجراءات وتقدم استجابة أسرع وأكثر فعالية للقضايا الجنائية التي يكون القاصرون طرفًا فيها.
ذ: حسن آيت موح، باحث في القانون


تعليقات الزوار ( 0 )