-
°C
weather
+ تابعنا

بلاغ يشكو من الأمن… في بلد يُدرّس الأمن للعالم

كتب في 18 يناير 2026 - 3:29 م

من الطريف، بل من المفارقات التي لا تخلو من عبث أن تثار “مخاوف أمنية” في رسالة رسمية، بينما الوقائع على الأرض والاعترافات الدولية وحتى نص الرسالة نفسها، تقول عكس ذلك تمامًا.

كيف يمكن الحديث عن قلق أمني في الرباط، في الوقت الذي كانت فيه العاصمة المغربية، على هامش كأس إفريقيا للأمم، تحتضن ملتقى دوليًا حول أمن التظاهرات الرياضية، بحضور الأمم المتحدة، والفيفا، واليويفا؟ وهل من المنطقي التشكيك في قدرة بلد اختارته هذه المؤسسات ليعرض تجربته، لا ليُقيَّم، ولا ليُختبر؟

الأكثر سخرية أن هذا “البلد محل القلق” حسب منطق الرسالة، هو نفسه الذي بات يقدّم كما أشار الخبير نزار دردابي، باعتباره حليفًا وازنًا داخل منظومات الأمن الدولي، ونموذجًا يحتذى به في تدبير المخاطر المرتبطة بالأحداث الكبرى.

ولمن يريد مزيدًا من المفارقة، هذا النموذج الأمني المغربي المعترف بفعاليته في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، لم يعد محل إشادة إعلامية فقط، بل تُرجِم إلى اتفاقيات استخباراتية فعلية وُقعت حديثًا مع باريس، وبرلين، ومدريد بتاريخ 8 يناير. أي أن دولًا تقيس الأمن بالأرقام والمخاطر والسيناريوهات لا بالانطباعات، اختارت أن تعمق شراكتها مع المغرب.

أما ختم المشهد، فكان في نونبر 2025، حين احتضنت المملكة الدورة 93 للجمعية العامة للإنتربول، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل من المعقول أن تؤتمن دولة على استقبال أعلى جهاز تنسيقي للشرطة الجنائية في العالم، ثم يشكك فجأة في قدرتها على تأمين تدريب فريق كروي؟

والأطرف من كل ذلك أن بلاغ الاتهام نفسه يتكفل بنسف مضمونه:

يتحدث عن مخاوف ثم يؤكد تعزيز الترتيبات الأمنية، يلمح إلى ارتباك ثم يقر بضمان الطمأنينة والسلامة، يثير إشكال البرمجة ثم يثبت مكان وزمان التداريب، وينتهي بالإشادة بتدخل رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم وبروح الأخوة والتعاون.

بمعنى أوضح، الرسالة بدأت بشبهة وانتهت بشهادة حسن سلوك.

ولو كانت هناك جائزة لأكثر البلاغات تفنيدًا لذاتها لكانت هذه الرسالة مرشحة بقوة، إذ يصعب اتهام واقع ثم الإشادة بها في السطور نفسها، إلا إذا كان الهدف تدبير انطباع داخلي مؤقت لا توصيف حقيقة ميدانية.

الخلاصة الساخرة والمؤلمة في آن واحد هي أنه عندما تتناقض الرسالة مع الواقع ومع المؤسسات الدولية ومع مضمونها الداخلي… فالخطأ ليس في الأمن بل في الرسالة.

شارك المقال إرسال
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .