-
°C
weather
+ تابعنا

عميدة كلية الحقوق بتطوان تغرق في الفوضى: تدبير فردي، أزمات متناسلة، وامتحانات تتحول إلى فضيحة مؤسساتية

كتب في 13 يناير 2026 - 5:43 م

في العمل الصحفي الجاد لا تقاس قوة المقال بحدة لغته بل بصلابة معطياته، ومن هذا المنطلق اختارت جريدة شمال بريس منذ البداية مقاربة ما يجري داخل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان من زاوية واحدة لا لبس فيها وهي زاوية المسؤولية العمومية. قلنا، وكتبنا، ونبهنا—في مقالات متتالية—إلى أن على عمادة الكلية، التي تشرف عليها مرية بوجداين، أن تنصرف إلى جوهر وظيفتها المتمثلة في إنجاح المحطات الأساسية، وعلى رأسها الامتحانات في وقتها، السير العادي للتدريس، وإرجاع النقط داخل الآجال القانونية. تلك ليست مطالب فئوية ولا ترفًا إداريًا بل حقوق بيداغوجية ثابتة.

لكن ما الذي حدث؟ بدل التقاط الرسائل وفتح نقاش مؤسساتي مسؤول والانكباب على معالجة الأعطاب، اختارت الكلية مسارًا آخر وهو تكثيف الأنشطة الموازية من منتديات وطنية يحضرها طلبة وأساتذة محليون، والإعلان عن مؤتمر دولي مرتقب حول اجتهادات القضاء الإداري المغربي… حقا هي أنشطة لا يجادل أحد في قيمتها النظرية ولا في المشتركين فيها، لكنها لا تدبر امتحانًا، ولا تظهر نقطة، ولا تصلح برمجة مختلة، ولا تجيب على أسئلة تظل معلقة في أذهان الطلبة يتم تفريغها فقط في منشورات على حساباتهم بالفايسبوك لأن الكلية أغلقت باب التعاليق أمام متتبعي الشأن العام الجامعي عبر الفايسبوك.

الأكثر خطورة—وحسب ما أفاد به مقربون من العمادة—أن هذه الأنشطة لا تعرف انفتاحًا فعليًا، إذ يقتصر الحضور غالبًا على أسماء محسوبة على العمادة أو قريبة من دوائرها، ما يحول “الإشعاع الأكاديمي” إلى تمرين انتقائي مغلق، ويطرح سؤالًا قانونيًا صريحًا حول تكافؤ الفرص داخل مؤسسة عمومية يفترض فيها أن تكون فضاءً جامعًا لا دائرة ضيقة.

ومع تراكم هذه الاختيارات، لم يعد النفور الذي يعبر عنه المتوافدون على الكلية من طلبة وأساتذة ومرتفقين، مجرد انطباع عابر، بل تحول إلى موقف عام تجاه منهج تدبيري ينظر إليه داخل الأوساط الجامعية باعتباره خروجًا عن منطق الحكامة، فالمسار الذي طبع تسيير المؤسسة خلال الفترة الأخيرة يوصف في قراءات متداولة، بأنه يقوم على إدارة الأزمات بالإنكار وتأجيل الاستحقاقات بدل معالجتها، ما أدى إلى تعثر الامتحانات، غياب التواصل، واتخاذ قرارات دون شرح أو إشراك، قبل مطالبة الجميع بالتعامل معها كأمر واقع.

ويذهب بعض المتتبعين أبعد من ذلك، معتبرين أن هذا المنهج تزامن مع اختيارات إدارية وصفت بالمحابات، همت توظيف أو إدماج أسماء ينظر إليها على أنها قريبة من دوائر القرار داخل العمادة (ولنا عودة في الموضوع)، في مساس واضح حسب هذه القراءات بمبدأ تكافؤ الفرص والاستحقاق، ومع تكرار الإخفاقات لم يعد ما يقع يفهم كتعثرات تقنية معزولة، بل كنمط تدبير يتكرس دون مساءلة داخلية، ما حول الأزمة من إشكال ظرفي إلى أزمة ثقة عميقة، باتت تمس صورة الكلية ووظيفتها كمرفق عمومي.

وتتعزز هذه الصورة، بحسب الشهادات نفسها، باختلالات في سير عمل العمادة، حيث يسجل غياب فعلي خلال الفترة الصباحية لبعض المسيرين، مقابل انطلاق متأخر للتسيير في أوقات يغادر فيها المرتفقون الكلية، في مفارقة تطرح أسئلة جدية حول احترام الزمن الإداري وجودة الخدمة العمومية لدى عمادة الكلية.

ما حذرنا منه وقع حرفيًا.. فبعد سلسلة المقالات التي نشرتها جريدة شمال بريس، لم تبادر كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان إلى معالجة الإشكالات، بل اختارت الرد ببلاغ توضيحي موجه للرأي العام، تتهم فيه الصحافة بنشر وقائع غير صحيحة ولا تمت للواقع بصلة، دون أن تفند المعطيات أو تجيب عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالامتحانات والبرمجة والنتائج.

وبعد أن عرفت الكلية مقاطعة تامة للامتحانات يوم الإثنين 12 يناير 2026، تم الإعلان اليوم الثلاثاء عن برمجة جديدة للامتحانات، وهو إعلان يؤكد موضوعيًا أن الخلل كان قائمًا، وأن ما نشرته شمال بريس لم يكن تهويلًا ولا استهدافًا، بل قراءة استباقية لمعطيات انتهت إلى فرض نفسها. غير أن إعادة البرمجة—مهما كانت ضرورية—تظل إجراءً تقنيًا محدود الأثر، ما لم ترافقها مراجعة جذرية لمنهجية التدبير، وطريقة اتخاذ القرار، ومنطق الانفتاح داخل المؤسسة.

وللتنبيه، فإن على العميدة ومن معها ممن يشرفون على تدبير الكلية، أن يستحضروا أن مظاهر الأزمة لم تُطوَ بعد، فقبل موعد انطلاق الامتحانات المبرمجة يوم 19 يناير الجاري، يبرز إلى الواجهة ملف ماستر “الزمن الميسر”، الذي ينتهي أجل تسجيل الطلبة الموظفين المدرجة أسمائهم في لائحة الانتضار يوم 15 يناير، أي بعد يومين فقط من اليوم. وهو ملف ذو حساسية خاصة يعيد طرح أسئلة الشفافية والوضوح وتكافؤ الفرص، في سياق تمضي فيه باقي الكليات التابعة لجامعة عبد المالك السعدي بمختلف مسالكها، بسلاسة وانتظام ووفق توجيهات رئاسة الجامعة والوزارة الوصية. وفي المقابل، تبدو كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان خارج هذا الإيقاع العام، حيث يتواصل الغموض وتتوالد الأزمات بدل معالجتها في إطار تدبيري واضح ومسؤول.

اليوم، لم يعد الحديث داخل الأوساط الجامعية عن إنجازات الكلية بل عن إنجازات فاشلة، ولم يعد النقاش حكرًا على الصحافة بل صار رأيًا شائعًا بين الطلبة والأساتذة ومتتبعي الشأن العام الجامعي، فالكلية لا تدار بالواجهة ولا تنقذ بالبلاغات، ولا تقاس بعدد المنتديات، بل تقاس بامتحان ينظم في وقته، وبنقطة تعلن في أجلها، وبإدارة حاضرة تتواصل ولا تختبئ.

والخلاصة، أنه حين تدار الكلية بالإنكار يصبح الفشل نتيجة، وحين يتحول الصمت إلى سياسة تتحول المقاطعة إلى لغة، وما يجري اليوم في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان ليس أزمة ظرفية، بل أزمة تدبير مفتوحة على كل الاحتمالات.

يتبع…

شارك المقال إرسال
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .