ثمة مسارات سياسية لا يمكن قراءتها من خلال المناصب التي يتولاها أصحابها وحدها، بل من خلال القضايا التي ترافقهم وهم ينتقلون من مستوى إلى آخر من مستويات المسؤولية.
وفي تجربة عبد الحق أمغار، يظل إقليم الحسيمة حاضرا في خلفية هذا المسار، بما يحمله من انتظارات اجتماعية وتنموية، وبما يطرحه من أسئلة متجددة حول البنيات الأساسية وفك العزلة وتكافؤ الفرص بين المجالات الترابية.
ومن هذا الرصيد المحلي، ينتقل الرجل إلى محطة مؤسساتية جديدة، بعد انتخابه رئيسا للجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة بمجلس النواب، في مسؤولية تجعل من الملفات التي رافقت تجربته البرلمانية جزءا من نقاش وطني أوسع.
ينتمي عبد الحق أمغار إلى حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وقد تشكل حضوره السياسي من خلال تجربة جمعت بين تدبير الشأن الجماعي والتمثيل البرلماني والنشاط الاقتصادي.
ولم يكن وصوله إلى المؤسسة التشريعية بداية علاقته بالمسؤولية العامة، إذ سبق له أن تولى رئاسة مجلس جماعة آيت يوسف وعلي بإقليم الحسيمة سنة 2015، في تجربة وضعته أمام الإكراهات اليومية التي تواجه المنتخب المحلي، حيث تتقاطع مطالب الساكنة مع محدودية الموارد المالية والحاجة إلى تحسين التجهيزات والخدمات الأساسية.
وفي يوليوز 2019، قرر مغادرة رئاسة مجلس الجماعة، موضحا في رسالة مفتوحة نشرها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن قراره يرتبط بتزايد التزاماته المهنية والأسرية. وشدد في توضيحه آنذاك على أن المسؤولية تكليف وليست تشريفا، وأن ممارستها تستوجب الجدية والقدرة على الوفاء بمتطلباتها، مؤكدا أن استقالته من رئاسة المجلس لا تعني الانسحاب من العمل الجماعي أو التخلي عن الدفاع عن مصالح الجماعة وساكنتها.
وقد شكلت تلك المحطة منعطفا في تجربته، أظهرت أن العلاقة بين العمل السياسي والالتزامات المهنية تظل أحد التحديات التي تواجه المنتخبين في مساراتهم العامة.
وعلى المستوى البرلماني، سبق لأمغار أن مثل دائرة الحسيمة خلال الولاية التشريعية 2011-2016، قبل أن يعود إلى مجلس النواب إثر الانتخابات التشريعية الجزئية التي جرت بالإقليم في يوليوز 2022. وجاءت تلك الانتخابات عقب قرار المحكمة الدستورية الصادر في 19 ماي 2022 بإلغاء نتائج انتخابات 8 شتنبر 2021 بالدائرة، لتتحول المنافسة إلى محطة سياسية مهمة بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي دعم ترشيح أمغار لاستعادة تمثيليته البرلمانية بالإقليم.
وخلال الولاية التشريعية 2021-2026، ارتبط نشاطه البرلماني بعدد من الملفات التي تعكس طبيعة الانشغالات المحلية والوطنية التي اشتغل عليها. فبحسب المعطيات المسجلة في أرشيف مجلس النواب، تقدم بـ348 سؤالا برلمانيا خلال تلك الولاية، تناولت قضايا متعددة، من بينها التعليم والصحة والتشغيل والبنية الطرقية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. كما أثار مشكلات ترتبط بتدهور الطريق الوطنية رقم 8 الرابطة بين تارجيست وتاونات، وغياب العدالة المجالية في توزيع مشاريع البنية التحتية الطرقية، إلى جانب قضايا الماء الصالح للشرب وفك العزلة عن عدد من الجماعات.
وتكتسب هذه الملفات أهميتها من كونها تتصل مباشرة بشروط العيش والتنمية في المناطق التي تعاني تفاوتا في مستوى التجهيزات والخدمات. فالطريق التي تتدهور حالتها ليست مجرد ممر متضرر، بل قد تصبح عائقا أمام تنقل الساكنة ووصولهم إلى المؤسسات التعليمية والصحية والأسواق. كما أن الانقطاع في التزود بالماء أو غياب الربط بالشبكات الأساسية لا يمثل مشكلة تقنية فحسب، بل يطرح سؤال الإنصاف في توزيع الاستثمارات العمومية وضمان استفادة مختلف المناطق من الخدمات الضرورية.
ومن هنا، يمكن قراءة جانب من تجربة أمغار البرلمانية من خلال محاولته نقل هذه الانشغالات إلى المؤسسة التشريعية، عبر آلية السؤال البرلماني ومساءلة القطاعات الحكومية المعنية. غير أن تقييم هذه التجربة لا ينبغي أن يتوقف عند عدد الأسئلة المقدمة، بل يستدعي أيضا تتبع الأجوبة الحكومية، ومدى تنفيذ الالتزامات، والنتائج التي تحققت على أرض الواقع. فالقيمة الحقيقية للعمل الرقابي تكمن في قدرته على تجاوز إثارة المشكلات إلى الإسهام في معالجتها.
وبموازاة هذا المسار السياسي، ينشط أمغار في المجال الاقتصادي، ويرتبط اسمه بشركة «ALIMANI»، التي تأسست سنة 2006 وتعمل في صناعة البسكويت والحلويات. ويضيف هذا الجانب بعداً آخر إلى تجربته، التي تجمع بين النشاط الاقتصادي والعمل الانتخابي والتدبير المحلي والبرلماني.
وفي انتخابات 23 شتنبر 2026، تصدر أمغار لائحة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بدائرة الحسيمة، محققا 13.216 صوتا، وقد شكلت هذه النتيجة محطة جديدة في مساره، قبل أن تأتي عملية استكمال هيكلة مجلس النواب لتمنحه مسؤولية برلمانية ذات امتدادات وطنية واسعة.
ففي 14 أكتوبر 2026، انتخب أمغار رئيسا للجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة بمجلس النواب، باسم الفريق الاشتراكي.
ولم يكن هذا الموقع مجرد إضافة إلى قائمة المناصب التي تقلدها، بل انتقالا إلى مسؤولية تتصل بقطاعات استراتيجية تتداخل فيها رهانات التنمية الاقتصادية مع متطلبات التجهيز وحماية الموارد الطبيعية والاستدامة البيئية.
فالبنيات الأساسية تمثل أحد الشروط الرئيسية لجاذبية الاستثمار وتحسين جودة الخدمات وتقليص الفوارق بين المناطق، فيما تفرض قضايا الطاقة والمعادن أسئلة تتعلق بتأمين الحاجيات الوطنية وتطوير مصادر الإنتاج وتدبير الموارد.
أما البيئة والتنمية المستدامة، فتضعان السياسات العمومية أمام ضرورة التوفيق بين متطلبات النمو الاقتصادي وحماية المجال الطبيعي وضمان حقوق الأجيال المقبلة.
ومن هذا الموقع، سيكون التحدي أمام أمغار هو الإسهام في جعل اللجنة فضاء فعليا للنقاش التشريعي والرقابي، بما يتيح دراسة النصوص المرتبطة باختصاصاتها، ومناقشة السياسات الحكومية، وتتبع المشاريع والبرامج ذات الأثر المباشر في حياة المواطنين.
كما تتيح له تجربته السابقة في إثارة قضايا الطرق والماء والتجهيزات المحلية فرصة لربط بعض الانشغالات الميدانية بالنقاش الوطني حول معايير توزيع الاستثمارات العمومية وترتيب الأولويات التنموية.
غير أن رئاسة اللجنة تظل مسؤولية وطنية لا تختزل في الدفاع عن إقليم الحسيمة، مهما كانت خصوصية مطالبه التنموية، فنجاح هذه المهمة يقتضي التعامل مع مختلف المجالات الترابية وفق مقاربة متوازنة، والانفتاح على تعدد الحاجيات والأولويات، مع ضمان أن تتحول النقاشات البرلمانية إلى عمل مؤسساتي منتج، لا إلى مجرد مواقف ظرفية أو تصريحات مرتبطة بالمناسبات السياسية.
وبين تجربة التدبير الجماعي، والعودة إلى البرلمان، والحصيلة الرقابية التي توثقها سجلات المؤسسة التشريعية، وصولا إلى رئاسة لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة، يقف عبد الحق أمغار أمام مرحلة مختلفة في طبيعة المسؤولية واتساعها. وهي مرحلة لن يكفي فيها استحضار رصيده الانتخابي أو تعداد الملفات التي أثارها، بل ستتحدد قيمتها بما يمكن أن تضيفه إلى جودة التشريع وفعالية الرقابة البرلمانية ومواكبة المشاريع التنموية.
فالمسؤولية الجديدة تمنح أمغار موقعا مؤسساتيا مؤثرا، لكنها تضعه أيضا أمام امتحان النتائج، وبين ما راكمه من تجربة محلية وبرلمانية وما تفرضه المرحلة من رهانات، يبقى المعيار الأهم هو قدرة الرجل على تحويل موقعه الجديد إلى فرصة لتعزيز النقاش العمومي حول البنيات الأساسية، والإسهام في جعل التنمية المتوازنة أكثر حضورا في القرارات والسياسات التي تمس حياة المواطنين.


تعليقات الزوار ( 0 )