تحمل فاطمة سعدي إلى مسؤوليتها الحكومية الجديدة مسارا تشكلت ملامحه الأولى في الحسيمة، بين العمل الجمعوي وتدبير الشأن المحلي، قبل أن يمتد إلى البرلمان والقيادة الوطنية لحزب الأصالة والمعاصرة. وفي هذا الانتقال، تحضر تجربة مدينة كانت منطلقا للعمل العام، ومجالا للاحتكاك بانتظارات السكان وتحديات التنمية، ثم مرجعا لفهم القضايا التي رافقتها في المؤسسات المنتخبة.
بتعيينها من طرف الملك محمد السادس، الجمعة 16 أكتوبر 2026، وزيرة منتدبة لدى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، تدخل سعدي مرحلة جديدة من مسارها. وتأتي هذه المسؤولية بعد تجربة جمعت بين الإدارة والعمل السياسي والتدبير الترابي، لتضعها أمام ملفات يرتبط أثرها المباشر بحياة الأسر وظروف استقرارها وجودة محيطها الحضري.
ولدت فاطمة سعدي سنة 1969 بمدينة الحسيمة، حيث تابعت دراستها الابتدائية والثانوية، قبل مواصلة تكوينها الجامعي في اللغة العربية، ومن محطاته مدينة وجدة. وحصلت لاحقا على دبلوم الدراسات العليا المعمقة من جامعة محمد الخامس بالرباط. وبموازاة تكوينها الأكاديمي، خاضت تجربة مهنية داخل الإدارة، إذ شغلت منصب مديرة غرفة التجارة والصناعة والخدمات بالحسيمة، واشتغلت إطارا بمديرية الموارد البشرية بوزارة التعليم العالي، وهو جانب يضيف إلى سيرتها خبرة في العمل الإداري ومواكبة المؤسسات.
وفي الحسيمة أيضا، انخرطت في العمل الجمعوي والاجتماعي، من خلال نشاطها ضمن جمعية التضامن للعمل الاجتماعي والإنساني “أشاشة”. وشكل هذا الحضور إحدى بوابات مشاركتها في الحياة العامة، قبل انخراطها في حركة لكل الديمقراطيين، التي مهدت لتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة. ومن هذا المسار، بدأت علاقتها بتنظيم حزبي سترافق مراحل تطوره، وتتدرج لاحقا في مسؤولياته القيادية.
كانت سنة 2009 محطة بارزة في تجربتها، مع انتخابها رئيسة للمجلس الجماعي للحسيمة، وهو المنصب الذي شغلته إلى سنة 2015. وعلى امتداد هذه الفترة، انتقلت إلى موقع المسؤولية المباشرة عن تدبير مؤسسة منتخبة، بما يقتضيه ذلك من اتخاذ القرارات ومتابعة الملفات والتعامل مع حاجيات المدينة ضمن اختصاصات الجماعة ومواردها. وقد وضعتها هذه التجربة أمام العلاقة اليومية بين التخطيط والتنفيذ، وبين ما ينتظره السكان وما تتطلبه الاستجابة لمطالبهم من إمكانات وتنسيق.
وتمنح هذه المرحلة المحلية مدخلا لقراءة مسؤوليتها الحكومية الراهنة، فقضايا المرافق والخدمات والفضاءات الحضرية، التي تشكل جزءا من انشغالات المجالس الجماعية، تتقاطع مع رهانات سياسة المدينة. ومن هذا المنظور، تكتسب تجربة الحسيمة أهميتها في مسار سعدي باعتبارها ممارسة ميدانية للتدبير، يمكن استحضارها عند مناقشة السياسات الموجهة إلى المدن وتحسين ظروف العيش داخلها.
وفي سنة 2015، اتسع مجال مشاركتها المؤسساتية بانتخابها عضوا في مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، قبل دخولها مجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2016–2021، عن الجزء المخصص للنساء في الدائرة الانتخابية الوطنية. وأتاح لها هذا الانتقال الاشتغال على مستويات مختلفة من التمثيل، تجمع بين التنمية الجهوية والتشريع ومراقبة العمل الحكومي، مع استمرار حضور الانشغالات المرتبطة بالحسيمة في نشاطها البرلماني.
وخلال تجربتها بالغرفة الأولى، شملت الأسئلة التي طرحتها ملفات في التعليم والاتصال والصناعة التقليدية وقضايا تنموية واجتماعية، إلى جانب عضويتها في اللجنة المعنية بالتعليم والثقافة والاتصال. كما حضرت قضايا اللغة والثقافة الأمازيغيتين ضمن اهتماماتها، بما يربط جانبا من ممارستها البرلمانية بالنقاش حول التنوع الثقافي واللغوي والإنصاف في الولوج إلى الخدمات. وفي سنة 2025، امتدت تجربتها إلى مجلس المستشارين، حيث التحقت بالمجلس لشغل المقعد الذي أصبح شاغرا عقب وفاة محمد بنعيسى، وفق المسطرة المعتمدة لتعويضه.
وبموازاة حضورها في المؤسسات المنتخبة، واصلت سعدي تحمل المسؤولية داخل حزب الأصالة والمعاصرة. فقد تولت منصب نائبة الأمين العام بين سنتي 2020 و2024، قبل انتخابها، في 19 أكتوبر 2024، عضوا في القيادة الجماعية للأمانة العامة، إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد. وبذلك، انتقلت إلى المشاركة في قيادة الحزب وتحديد اختياراته السياسية والتنظيمية، بعد سنوات من العمل داخله وعلى مستوى المؤسسات الترابية والبرلمانية.
وتبرز العدالة المجالية ضمن الموضوعات التي تناولتها في تدخلاتها الحزبية. ففي لقاء تواصلي مع برلمانيي الحزب بالرباط، يوم 10 أكتوبر 2025، شددت على ضرورة معالجة التفاوتات في التنمية البشرية والترابية، وتقليص الفجوة بين المجالات، وبناء نخب محلية وجهوية قادرة على تحسين التدبير والإنصات إلى المواطنين. وتكشف هذه المواقف عن حضور المسألة الاجتماعية والتنمية المندمجة في خطابها السياسي، وهما موضوعان يتصلان بالمسؤولية التي تتولاها اليوم.
أما في الحكومة، فتنتقل سعدي إلى مجال تتداخل فيه السياسات السكنية مع تحديات التأهيل الحضري والتفاوتات الاجتماعية والمجالية. فالولوج إلى السكن يرتبط بالقدرة الاقتصادية للأسر، كما ترتبط جودة العيش بتوفر الخدمات والمرافق وسهولة التنقل واندماج الأحياء في محيطها. وهي ملفات تتطلب تنسيقا بين مؤسسات وفاعلين متعددين، وتضع الخبرة المحلية أمام نطاق أوسع من المسؤولية.
تفتح هذه المحطة أمام ابنة الحسيمة مجالا لتوظيف ما راكمته في الإدارة والجماعة والجهة والبرلمان والعمل الحزبي. وستتضح قيمة هذا الرصيد في مساهمتها في إعداد البرامج وتنفيذها وتتبع أثرها على حياة المواطنين. ومن المدينة التي بدأت فيها تجربتها إلى قطاع الإسكان وسياسة المدينة، يظل الرابط الأبرز في مسار فاطمة سعدي هو الاشتغال على المجال الترابي، فيما تمنحها المسؤولية الجديدة فرصة للمشاركة في صياغة أجوبة وطنية عن أسئلة عرفتها من موقع المنتخب المحلي.


تعليقات الزوار ( 0 )