تشهد عدد من الحواضر الفرنسية الكبرى، وفي مقدمتها العاصمة باريس ومرسيليا وليون، موجة عارمة من الاحتجاجات المرفوقة باشتباكات حادة وأعمال تخريب للممتلكات مع مواجهات عنيفة مع القوات الأمنية حيث سادت الشارع شعارات تستحضر موروث الثورة الفرنسية وتطالب باقتحام مراكز القرار.
و كشفت التقديرات النقابية عن مشاركة مئات الآلاف من المواطنين في مسيرات “يوم الغضب” حيث تم توقيف المئات منهم مع تسجيل إصابات متفاوتة الخطورة سواء عبر التدخلات العنيفة لعناصر الشرطة أو من خلال المواد المتفجرة المستخدمة من طرفهم.
وتعود البدايات الأولى لهذه الحركة الاحتجاجية إلى مبادرات طلابية انطلقت منتصف شتنبر المنصرم لرفع مستوى الخدمات الدراسية وتوفير الموارد للمؤسسات التعليمية، قبل أن تتسع الدائرة وتستقطب فئات متنوعة تضم “السترات الصفراء” والجمعيات النقابية والبيئية عبر المنصات الرقمية والتي تحولت إلى مظاهرات تندد بغلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية وتدهور القدرة الشرائية، موجهين مطالبات صريحة للجهات الحكومية بضرورة كبح التدخل الأمني ووقف القمع الممارس ضد التجمعات الشعبية.
وتفاعلت القوى السياسية بتباين واضح مع المشهد، إذ رأت القيادات اليمينية أن المطالب الاجتماعية المشروعة تعرضت للاستغلال من أطراف أقصى اليسار لتأجيج المواجهات، في المقابل أصرت السلطات التنفيذية على التمسك بإنفاذ القانون ومواجهة التخريب، معتبرة أن أعمال العنف الصادرة تتطلب الحزم والتصدي، مما يضع الدولة أمام مأزق معقد يجمع بين ضرورة حفظ النظام ومواجهة الضغوط الاجتماعية المتزايدة قبيل الاستحقاقات الرئاسية القادمة.
ولعل هذا التردي الراهن الذي تعيشه الجمهورية الخامسة يعود بالأساس إلى أسباب هيكلية عميقة بدأت منذ الإنقاذ المالي للبنوك إبان أزمة 2008 وذلك على حساب دافعي الضرائب، وصولاً إلى الدَّين العام الذي بلغ 3.6 تريليون يورو في الربع الثاني من 2026، أي ما يعادل 119% من الناتج المحلي دون إغفال استنزاف الخزينة العامة في الصراعات الخارجية مثل الحرب الروسية-الأوكرانية و تأثيره السلبي على قطاعي التعليم و الصحة ، وهو التدهور الذي عرته بشكل أكبر جائحة “كورونا” وأكده عجز المؤسسات الاستشفائية عن احتواء المصابين بهذا الوباء.
من جانب آخر وفي مفارقة لافتة، فإن فرنسا صاحبة الدروس و التي دأبت دعايتها الرسمية وأبواقها المروجة على إرهاق الأسماع بالتغني بالقيم النموذجية المتمثلة في الحرية وحقوق الإنسان، ساعيةً طوال عقود إلى ترسيخ صورة “الفردوس الديمقراطي” الذي يتفوق على باقي دول العالم، هي من تعيش اليوم تحت وطأة حرب ضروس و حراك ميداني وغليان شعبي يتجاوز بكثير ما تعرفه دول العالم الثالث.
الملاحظ كذلك هو تعاطي وسائل الإعلام الفرنسية مع هذه التطورات والذي أظهر انتقائية واضحة المعالم، كيف لا وهي تتجاهل اليوم التفتت الداخلي الذي يعصف بالبلاد بالتركيز في تغطيتها الداخلية على رصد الخسائر المادية وأعمال الشغب لشيطنة الحراك وتبني الرواية الحكومية مع تعمّد تغييب مصطلحات القمع والعنف الأمني المفرط الذي طال حتى القاصرين والتلاميذ.
العجيب أن الصحافة التي تتعتم اليوم على ما يحدث ببلادها كانت السباقة لتغطية حراك “جيل زد” في المغرب منذ اندلاعه في خريف 2025، إذ واكبت قنوات وصحف فرنسية بارزة مثل قناة “فرانس 24” وصحيفة “لوموند”، تفاصيل الحراك الشبابي من زاوية أحادية الجانب و بشكل مكثف وغير مسبوق عبر تخصيص مساحات واسعة ونشرات دورية لمتابعة المطالب والاحتجاجات الميدانية قصد تكريس صورة نمطية سلبية ومضطربة عن الوضع الداخلي في المملكة.
الإعلام الفرنسي ذهب في تغطيته لحراك “جيل زد 212” أبعد من ذلك حينما سعى إلى تشويه صورة المغرب عبر خطاب تشكيكي و تخويفي موجه للرأي العام الدولي و ذلك عبر ربط هذه الأحداث باحتضان المملكة لمونديال 2030 و اعتبار هذه الأخيرة غير قادرة على تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى، وهو ما اعتُبر تشويشا متعمدا و بروباغندا يائسة من طرف الآلة الدعائية في باريس.
إن ما يجري اليوم في فرنسا يضع القيم والمفاهيم الفلسفية التي تأسست عليها الجمهورية أمام اختبار حقيقي، إذ يظهر العجز عن احتواء الغضب الاجتماعي متزامناً مع تراجع نفوذ باريس في القارة الإفريقية وهو النفوذ الذي اقترن بحالة من الاضطراب والفوضى و الحروب الأهلية و كأن القدر يريد من باريس أن تذوق من نفس الكأس التي ذاقت منها مستعمراتها السابقة.


تعليقات الزوار ( 0 )