يبدو أن “لوموند” اكتشفت أخيرا أن هناك أزمة بين المغرب وإسبانيا، ويبدو أيضا أنها اكتشفت معها أن سبتة ومليلية ما زالتا حاضرتين في السياسة المغربية، وكأن الرباط كانت تنتظر موجة الهجرة الأخيرة حتى تتذكر أن هناك مدنا وجزرا مغربية ما زالت تحت الاحتلال الإسباني. يا لها من مصادفة صحفية، أن تكتشف صحيفة فرنسية اليوم ما لم يكن سرا في المغرب منذ عقود، وكأن النزاع الذي تتحدث عنه عاد فجأة إلى الوجود، مع أن المغرب لم يتخل عنه يوما، ولم يتعامل مع مغربية سبتة ومليلية والجزر المحتلة باعتبارها قضية موسمية تستدعى عند الحاجة ثم توضع جانبا عندما تهدأ الأزمات. فالمغرب لم يكتشف سبتة في يوليوز، ولم يكتشف مليلية في غشت، ولم يحتج إلى أزمة هجرة لكي يتذكرهما، الذي حدث ببساطة هو أن أزمة جديدة جعلت الإعلام الأوروبي يعيد اكتشاف ملف كان يفضل التعامل معه وكأنه من الماضي.
سبتة لا تطل من الضفة الجنوبية للمتوسط كلما اندلعت أزمة، بل تطل من مكان أعمق، من تاريخ لم ينته بمجرد أن قررت إسبانيا أن تعتبره منتهيا، ومن ذاكرة مغربية لم تتعامل يوما مع الاحتلال باعتباره أمرا طبيعيا أو قدرا أبديا. فما إن تهتز المدينة بفعل موجة هجرة، أو يصدر من الرباط تصريح يعيد التذكير بموقف ثابت ومعروف، حتى تستيقظ في بعض الأوساط الإسبانية مفردات قديمة، التهديد المغربي، الضغط على إسبانيا، أزمة الحدود، جزيرة ليلى، وكأن مجرد تذكير المغرب بمغربية سبتة ومليلية والجزر المحتلة أصبح فعلا استفزازيا. والمفارقة أن “لوموند” لا تكتفي بوصف هذا القلق، بل تعيد إنتاجه في قالب تحليلي، فيتحول ما تقوله الصحافة الإسبانية إلى مادة تفسيرية، وما هو تاريخي إلى أمني، وما هو سياسي إلى جيوسياسي، وما هو ثابت في الموقف المغربي إلى أداة ضغط مفترضة.
وهكذا، شيئا فشيئا، تختفي سبتة الحقيقية خلف سبتة المتخيلة، مدينة تتحول في المخيال السياسي الإسباني إلى مقياس دائم لنوايا المغرب، وإلى شاشة تسقط عليها كل المخاوف المتعلقة بالهجرة والحدود والسيادة. فإذا وصل المهاجرون كان السؤال، ماذا فعل المغرب، وإذا تحدث مسؤول مغربي عن سبتة ومليلية أصبح السؤال، ماذا يريد المغرب، وإذا وقع اختراق إلكتروني عادت فرضية الضغط المغربي، وإذا استعيدت أزمة جزيرة ليلى بدا الأمر وكأن التاريخ نفسه يقدم دليلا إضافيا على نية مغربية خفية. بهذه الطريقة يتحول المغرب من دولة لها مصالح وحسابات ومواقف معلنة إلى فاعل مفترض خلف كل حدث، حتى قبل أن تظهر الأدلة التي تثبت مسؤوليته عنه. والمشكلة هنا ليست في انتقاد المغرب، فالمغرب كأي دولة قابل للنقد والمساءلة، وإنما في أن يتحول النقد إلى طريقة ثابتة لقراءة كل حدث من خلال فرضية واحدة، وهي أن الرباط لا بد أن تكون وراءه أو تستعمله للضغط على مدريد.
ويظهر هذا الخلل بشكل أوضح في ملف الهجرة، فالمقال يتحدث عن شكوك في أن السلطات المغربية ربما سهلت عمليات العبور الجماعي إلى سبتة بهدف الضغط على إسبانيا، ثم يعترف في الوقت نفسه بأنه لا توجد أدلة ملموسة تثبت هذه الفرضية. هنا كان يفترض أن يتوقف الاستنتاج، لأن الشك لا يصبح دليلا بمجرد تكراره، ولأن الصحافة التي تميز بين الوقائع والتأويلات لا يمكنها أن تجعل فرضية غير مثبتة مفتاحا لتفسير أزمة كاملة. المغرب ليس مطالبا بأن يثبت براءته من كل حدث يقع قرب حدوده، كما أن مجرد وجود أزمة هجرة لا يمنح تلقائيا كل من يبحث عن تفسير سياسي الحق في وضع الرباط في قفص الاتهام. الهجرة ظاهرة معقدة تتداخل فيها شبكات التهريب والعوامل الاجتماعية والاقتصادية وحسابات الأفراد وسياسات الحدود الأوروبية، واختزالها في فرضية الضغط المغربي ليس تحليلا بقدر ما هو اختيار مسبق للمتهم.
ثم يأتي التاريخ، وهنا ينبغي أن يكون النقاش أكثر وضوحا، لأن الحديث عن سبتة ومليلية والجزر المحتلة لا يتعلق، من المنظور المغربي، بروايتين متساويتين تتنافسان على تفسير الماضي، ولا بقضية يمكن وضعها في منتصف الطريق بين موقف مغربي وموقف إسباني. مغربية هذه الأراضي ليست بالنسبة إلى المغرب مجرد رواية وطنية من بين روايات أخرى، ولا وجهة نظر يمكن أن تنافسها وجهة نظر مقابلة، وإنما هي جزء من الحقيقة الترابية والتاريخية للمغرب، وجزء من تصوره لوحدته الترابية. أما وجودها تحت السيطرة الإسبانية فليس حقيقة مقابلة للحقيقة المغربية، وإنما هو واقع احتلال قائم منذ قرون، والفرق بين الحق والاحتلال لا يلغيه طول الزمن ولا كثرة التكرار. ولهذا فإن اختزال تاريخ سبتة في اللحظة التي أصبحت فيها تحت السيطرة الإسبانية لا يجعل ما سبقها غير موجود، كما أن مرور القرون لا يحول الاحتلال إلى حق مكتسب ولا يمحو الحقيقة الجغرافية التي تربط هذه الأراضي بالمغرب.
ولهذا فإن محاولة تقديم السيطرة الإسبانية على سبتة ومليلية والجزر المحتلة باعتبارها أمرا محسوما لا تعدو أن تكون محاولة لتحويل الأمر الواقع إلى حق، فالاحتلال لا يصبح سيادة بمجرد أن يطول أمده، ولا تتحول الأرض المحتلة إلى أرض أجنبية لأن الدولة المحتلة اعتادت إدارتها واعتادت أن تقدمها في خطابها السياسي باعتبارها جزءا من ترابها، كما أن تحويل قضية استعمارية إلى وضع إداري دائم لا يمحو أصل المشكلة. المغرب لم يعترف يوما بأن سبتة ومليلية والجزر المحتلة خرجت من مجاله الترابي، ولم يتنازل عن حقه فيها، ولذلك فإن الحديث عن عودة النزاع يفترض شيئا لم يحدث أصلا، وهو أن المغرب كان قد قبل يوما بانتهاء القضية.
ومن هنا تصبح المفارقة في الخطاب الإسباني أكثر وضوحا. فحين تؤكد مدريد أن سبتة ومليلية إسبانيتان، تتعامل مع ذلك باعتباره أمرا طبيعيا، بينما حين يؤكد المغرب أن سبتة ومليلية والجزر المحتلة مغربية، يقدم موقفه باعتباره تصعيدا وتهديدا. وكأن المطلوب من المغرب ليس فقط القبول باستمرار الاحتلال، بل التوقف أيضا عن تسميته باسمه والتخلي عن حقه في المطالبة بأراضيه. وهنا يصبح السؤال مشروعا: كيف يكون تمسك المغرب بمغربية أراضيه فعلا عدائيا، بينما لا يوصف استمرار السيطرة الإسبانية عليها بما هي عليه؟ فمرور الزمن لا يحول الاحتلال إلى سيادة مكتسبة، كما أن تمسك إسبانيا بالأمر الواقع لا يسقط حق المغرب في الدفاع عن استكمال وحدته الترابية.
والأمر نفسه ينطبق على جزيرة ليلى، التي تعود في كل أزمة وكأنها فصل محفوظ من كتاب الخوف الإسباني من المغرب. حادثة 2002 كانت أزمة حقيقية، لكنها لم تختصر العلاقات المغربية الإسبانية ولم توقف مسار التعاون بين البلدين، فقد بنى الطرفان بعد ذلك شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتعاونا في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتجارة والاستثمار. فلماذا تعود جزيرة ليلى باستمرار وكأنها مفتاح لفهم كل أزمة جديدة. لأن استدعاء الماضي بطريقة انتقائية يمكن أن يحول الذاكرة إلى أداة لصناعة الخوف، ويجعل حادثة واحدة من الماضي إطارا نفسيا يقرأ من خلاله كل سلوك مغربي في الحاضر، فيتحول التاريخ من وسيلة لفهم العلاقات إلى وسيلة لتفسير المغرب دائما من زاوية التهديد.
المغرب لا يحتاج إلى أن يكون عدوا لإسبانيا حتى يتمسك بمغربية سبتة ومليلية والجزر المحتلة، كما أن التعاون بين البلدين لا يمكن أن يعني مطالبة الرباط بتعليق ذاكرتها أو التخلي عن موقفها الترابي. فالمغرب شريك أساسي لإسبانيا في الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار، وإسبانيا جار مهم للمغرب، لكن هذه الشراكة لا تلغي الملفات السيادية، ولا تجعل المصالح المشتركة سببا لإسكات الموقف المغربي. المشكلة ليست في أن المغرب يذكر سبتة ومليلية والجزر المحتلة، وإنما في أن مجرد ذكرها يتحول في الخطاب الإسباني إلى فعل تصعيدي، وكأن المطلوب من المغرب حتى يكون شريكا مقبولا أن يتصرف وكأن جزءا من ترابه لا يعنيه. المغرب لم يغير موقفه، ولم يحتج إلى أزمة هجرة لكي يتذكر أراضيه، ولم ينتظر موافقة مدريد لكي يحتفظ بموقفه منها.
ولهذا فإن عنوان “لوموند” نفسه ينقلب على الفكرة التي يحاول تقديمها، فسبتة لم تعد إلى النزاع، لأن النزاع لم يخرج منه المغرب أصلا، ومغربية سبتة ومليلية والجزر المحتلة لم تختف من الموقف المغربي حتى تعود إليه. الذي عاد هو حضور القضية في الإعلام الأوروبي بعد أن فرضت أزمة جديدة النظر إليها من جديد. المغرب لم يكتشف سبتة في يوليوز، ولم يكتشف مليلية في غشت، ولم يحتج إلى تصريح وزير أو أزمة هجرة لكي يتذكرهما، فالمدن والجزر موجودة، والجغرافيا موجودة، والموقف المغربي موجود. الذي يتحرك هو الخطاب من حولها، والذي يتغير هو مستوى القلق الإسباني كلما تذكرت مدريد أن الجار الجنوبي لم يتخل عن موقفه. ولذلك فالمفارقة الحقيقية ليست أن المغرب أعاد إحياء نزاع سبتة، بل أن “لوموند” اكتشفت متأخرة أن النزاع لم يمت أصلا، وأن ما حاولت السياسة الإسبانية دفنه في الذاكرة لم يدفنه المغرب في موقفه.


تعليقات الزوار ( 0 )