-
°C
weather
+ تابعنا
اخبار

فاطمة الزهراء المنصوري.. من رمزية اللحظة التاريخية إلى تحدي النتائج

كتب في 2 أكتوبر 2026 - 11:11 م

هناك لحظات في المسار السياسي لا تتوقف دلالاتها عند حدود أصحابها، بل تتحول إلى محطات فارقة في تاريخ الدول. ويعد وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة المغربية إحدى هذه المحطات، باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ المملكة.

غير أن قيمة هذه اللحظة التاريخية لن تقاس فقط بما تحمله من رمزية، ولا بكونها كسرت سقفاً ظل قائما لعقود، وإنما بما ستنتجه المرحلة المقبلة من قرارات وسياسات ونتائج ملموسة في حياة المواطنين.

فبعد تثبيت البعد الرمزي للحدث، تبدأ المهمة الأصعب: الحكم وتدبير الشأن العام وتحويل الالتزامات إلى نتائج.

إن تولي امرأة رئاسة الحكومة يحمل رسالة قوية بشأن حضور المرأة في المؤسسات وقدرتها على الوصول إلى أعلى مواقع المسؤولية. غير أن هذا البعد، على أهميته السياسية والمجتمعية، لن يكون كافيا وحده للحكم على التجربة الحكومية. فالمواطنون ينتظرون قبل كل شيء إجابات عملية عن الأسئلة التي تمس حياتهم اليومية.

وفي مقدمة هذه الأسئلة، تأتي القدرة الشرائية، والتشغيل، خصوصاً في صفوف الشباب، وجودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق بين المجالات الترابية، وتحسين الولوج إلى الصحة والتعليم.

كما تبرز الحاجة إلى ضمان انعكاس المشاريع الكبرى التي يشهدها المغرب على الاقتصاد الحقيقي وعلى ظروف عيش المواطنين.

ومن هنا يبدأ التحدي الحقيقي أمام فاطمة الزهراء المنصوري.

تجربة متعددة المستويات في تدبير الشأن العام

تدخل المنصوري رئاسة الحكومة وهي تحمل مسارا سياسيا وإداريا متعدد المستويات، فقد راكمت تجربة في تدبير مدينة كبرى من خلال رئاسة مجلس جماعة مراكش، كما خبرت العمل الحكومي من خلال توليها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير؛ ووقفت على متطلبات المسؤولية السياسية وصناعة القرار العمومي.

وتمنحها هذه التجربة معرفة بمستويات مختلفة من تدبير الشأن العام، من التدبير الترابي إلى العمل الحكومي والمؤسساتي.

لكن الخبرة، مهما كانت، لا تعفي من المعيار الأكثر حسما في العمل الحكومي: القدرة على تحقيق النتائج. وسيكون أول اختبار أمام رئيسة الحكومة الجديدة ذا طبيعة سياسية، إذ ستُبنى تركيبة الحكومة في سياق برلماني أفرزته انتخابات 23 شتنبر 2026.

وسيكون تشكيل أغلبية منسجمة وقادرة على تجاوز الحسابات والتوازنات الحزبية، مع الحفاظ على رؤية حكومية واضحة، أحد الشروط الأساسية لفعالية المرحلة المقبلة.

فالمطلوب لن يكون مجرد تشكيل حكومة، وإنما بناء فريق حكومي قادر على العمل بانسجام، وتحديد أولويات واضحة، وتحمل المسؤولية أمام المواطنين.

القدرة الشرائية.. الاختبار الأقرب إلى المواطن

على المستوى الاجتماعي، ستظل القدرة الشرائية واحدة من أبرز المؤشرات التي سيقيس من خلالها المواطنون أداء الحكومة الجديدة.

فخلف مؤشرات النمو والأرقام الاقتصادية، توجد تفاصيل الحياة اليومية: تكاليف السكن والغذاء والنقل والتعليم والخدمات الأساسية. ولذلك، فإن نجاح أي سياسة اقتصادية لا يرتبط فقط بما تحققه المؤشرات الماكرواقتصادية، بل بمدى انعكاسها الفعلي على مستوى معيشة الأسر.

وسيكون التشغيل بدوره اختبارا مركزيا، خصوصا بالنسبة إلى الشباب. فالتحدي لم يعد يقتصر على خلق مناصب شغل، بل يتجاوز ذلك إلى بناء اقتصاد قادر على توفير فرص مهنية حقيقية تتناسب مع كفاءات الشباب وطموحاتهم. وهو ما يقتضي ربطا أكثر فعالية بين منظومة التعليم والتكوين المهني والاستثمار واحتياجات سوق الشغل. فالشباب لا يبحثون عن برامج فقط، بل عن آفاق وفرص للمستقبل.

التنمية الترابية.. تقليص الفوارق بين الجهات

أما التحدي الثالث، فيرتبط بالتنمية الترابية، حيث عرف المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولات كبيرة، سواء على مستوى البنيات التحتية أو المدن الكبرى أو عدد من القطاعات الاقتصادية. غير أن هذه الدينامية لا تلغي استمرار فوارق بين المناطق والجهات، وهو ما يجعل العدالة المجالية أحد الملفات الأساسية أمام الحكومة المقبلة.

وسيكون الرهان هو تحويل التنمية الترابية إلى واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية، من خلال مدارس ذات جودة، ومرافق صحية يسهل الولوج إليها، ووسائل نقل فعالة، وبنيات تحتية ملائمة، وفرص شغل لا تتركز فقط في المراكز الاقتصادية الكبرى.

وفي هذا السياق، يمكن أن تشكل تجربة فاطمة الزهراء المنصوري في التدبير الترابي رصيدا مهما، غير أن الرهان سيتطلب سياسة وطنية متكاملة قادرة على تقليص الفوارق بين الجهات بشكل مستدام.

الصحة والتعليم.. من تعميم الحقوق إلى تحسين جودة الخدمات

وتحتل الصحة والتعليم موقعا مركزيا ضمن الملفات التي ستحدد صورة المرحلة الحكومية الجديدة.ك، فقد فتح تعميم الحماية الاجتماعية الباب أمام مرحلة جديدة، لكن توسيع نطاق الاستفادة من الحقوق الاجتماعية لا يعني بالضرورة ضمان المستوى نفسه من جودة الخدمات لجميع المواطنين.

ومن ثم، سيكون التحدي مرتبطا بتعزيز البنيات الصحية، وتوفير الموارد البشرية، وتحسين نجاعة المنظومة، بما يضمن انتقالا من مجرد تعميم الاستفادة إلى تحسين فعلي لجودة الخدمات.

أما التعليم، فيطرح بدوره سؤال إعداد جيل قادر على مواكبة اقتصاد المستقبل، فإلى جانب البنيات والتجهيزات، ستظل جودة التعلمات، ومحاربة الهدر المدرسي، وتطوير التكوينات بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، عناصر أساسية في بناء الرأسمال البشري.

مونديال 2030.. فرصة اقتصادية واختبار للاستدامة

وإلى جانب الملفات الاجتماعية والاقتصادية المباشرة، تبرز سنة 2030 كموعد استثنائي في أجندة الحكومة المقبلة. فاحتضان المغرب لكأس العالم إلى جانب إسبانيا والبرتغال يمثل فرصة لتسريع الاستثمارات، وتعزيز السياحة، وتقوية جاذبية المدن والمناطق، وخلق فرص اقتصادية جديدة.

غير أن هذا الموعد يفرض في الوقت نفسه تحديا يتعلق بالاستدامة، فالبنيات التحتية والمشاريع التي ستنجز استعدادا لهذا الحدث ينبغي ألا تظل مرتبطة بالمسابقة وحدها، وإنما أن تندرج ضمن رؤية تنموية طويلة الأمد، يستفيد منها المواطنون والمجالات الترابية بعد سنة 2030.

وهنا ستواجه الحكومة معادلة دقيقة: الاستجابة لحاجات الحاضر والاستعداد في الوقت نفسه لمغرب العقد المقبل.

حكومة مطالبة بالاختيار وترتيب الأولويات

الحكم في نهاية المطاف هو عملية اختيار وترتيب للأولويات. فالانتظارات كثيرة، بينما الموارد والإمكانات ليست بلا حدود. وكل التزام حكومي يستدعي قرارا يتعلق بالتمويل والتنفيذ وتحديد الأولويات.

ومن ثم، فإن مصداقية السياسات العمومية لن تقاس فقط بقدرة الحكومة على الإعلان عن المشاريع والالتزامات، بل أيضاً بقدرتها على ترتيبها، وتوفير التمويل اللازم لها، وتنفيذها في آجال معقولة، ثم تقييم أثرها ونتائجها.

امرأة على رأس الحكومة.. من الاستثناء إلى المسار

وتتجاوز دلالة وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة شخصها ومسارها السياسي، لتطرح سؤالا أوسع حول موقع المرأة في الحياة العامة ومراكز القرار.

فأن تصل امرأة إلى رئاسة الحكومة يشكل محطة مهمة في مسار حضور النساء داخل المؤسسات، لكن الرهان الأبعد يتمثل في ألا تظل التجربة استثناء، بل أن تتحول إلى جزء من تطور مؤسساتي أوسع يقوم على الكفاءة والخبرة وتحمل المسؤولية.

وإذا تمكنت المنصوري من تحويل مسؤوليتها إلى نتائج ملموسة، فإن الدلالة التاريخية للحدث ستتجاوز لحظة التعيين، لتصبح جزءا من مسار أوسع في إعادة تشكيل النظرة إلى قدرة النساء على تحمل أعلى المسؤوليات في الدولة.

لكن المرحلة الحالية لا تحتمل الاكتفاء بالرمزية. لقد حان وقت العمل؛ فالتاريخ سيحتفظ بتاريخ هذه المحطة ودلالتها السياسية، لكن المواطنين سينظرون إلى ما هو أبعد من ذلك: إلى قدرتهم الشرائية، وإلى فرص العمل المتاحة أمام أبنائهم، وإلى جودة الخدمات الصحية والتعليمية، وإلى مستوى الخدمات العمومية في مناطقهم، وإلى مدى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

ومن هنا، فإن المسافة بين المحطة التاريخية والنتيجة الملموسة ستكون هي المعيار الأبرز الذي سيحدد دلالة هذه التجربة الحكومية الجديدة.

من رمزية اللحظة التاريخية إلى امتحان النتائج.. تبدأ الآن المرحلة الأصعب.

لطيفة زباير

عضو المكتب الجهوي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .