في لحظة سياسية وُصفت بأنها مفصلية في تاريخ المغرب، يأتي تعيين فاطمة الزهراء المنصوري من طرف جلالة الملك حفظه الله بالقصر الملكي العامر بالرباط رئيسةً للحكومة ليمنح المرأة المغربية موقعاً غير مسبوق على رأس السلطة التنفيذية، ويضع اسمها في صدارة مرحلة جديدة لا يتعلق معناها بشخص امرأة وصلت إلى رئاسة الحكومة فحسب، وإنما بما يرمز إليه هذا الوصول من تطور في حضور المرأة داخل مؤسسات الدولة ومراكز صناعة القرار.
إنها لحظة تتجاوز حدود التعيين السياسي المباشر، لتصبح عنواناً لمسار طويل قطعه المغرب في تعزيز حضور المرأة في الحياة العامة، وترسيخ فكرة أن الكفاءة والمسؤولية والقدرة على تدبير الشأن العام ليست حكراً على الرجال. فحين تصل امرأة إلى موقع رئاسة الحكومة، فإن الرسالة التي يحملها الحدث تتجاوز صاحبة المنصب نفسها، لتصل إلى ملايين النساء والفتيات اللواتي يرون في هذه الصورة الجديدة دليلاً على أن الطريق إلى أعلى مواقع المسؤولية أصبح مفتوحاً أمامهن.
ولا يمكن قراءة هذه الخطوة بمعزل عن التحولات التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة؛ تحولات جعلت المرأة أكثر حضوراً في البرلمان والحكومة والجماعات الترابية والإدارة والقضاء ومختلف مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن رئاسة الحكومة تظل محطة ذات رمزية استثنائية، لأنها تمثل أعلى موقع في الجهاز التنفيذي، وتضع صاحبته أمام مسؤولية قيادة الحكومة وتنسيق عملها وتحويل السياسات العامة إلى قرارات ومشاريع تمس حياة المواطنين اليومية.
وإذا كان تعيين فاطمة الزهراء المنصوري يمثل أول وصول لامرأة إلى رئاسة الحكومة المغربية، فإن المقارنة مع التجارب الدولية تبرز أن صعود المرأة إلى قمة السلطة التنفيذية ليس جديداً في الديمقراطيات الحديثة.
فقد عرفت أوروبا رئيسات حكومات تركن بصمات بارزة في تاريخ بلدانهن، مثل مارغريت تاتشر في بريطانيا وأنغيلا ميركل في ألمانيا، كما شهدت دول أوروبية أخرى تجارب نسائية على رأس الحكومات.
وفي العالم العربي، سبقت تونس المغرب إلى هذه التجربة مع نجلاء بودن التي تولت رئاسة الحكومة سنة 2021.
لكن خصوصية التجربة المغربية تكمن في أنها تأتي ضمن سياقها الوطني والمؤسساتي الخاص، وتفتح صفحة جديدة في مسار المرأة المغربية داخل الدولة. فالمنصوري لا تدخل إلى رئاسة الحكومة بوصفها مجرد رمز نسائي، بل باعتبارها شخصية سياسية لها تجربة في تدبير الشأن العام، سبق لها أن تولت مسؤوليات حكومية ومحلية وحزبية، وهو ما يجعل التحدي الذي ينتظرها مرتبطاً بالقدرة على تحمل مسؤوليات المنصب بقدر ارتباطه بالدلالة التاريخية للتعيين.
ولعل أجمل ما في هذه اللحظة أنها تعيد طرح سؤال المرأة من زاوية مختلفة: ليس هل تستطيع المرأة الوصول إلى مواقع القرار، وإنما كيف يمكن للمجتمع أن يستفيد من طاقاتها عندما تصل إليها؟
فالمرأة ليست رقماً إضافياً في معادلة التمثيلية السياسية، ولا حضورها في المؤسسات مجرد استجابة لمطلب المساواة في الفرص. إن مشاركة النساء في صناعة القرار تعني توسيع قاعدة الكفاءات التي تستفيد منها الدولة والمجتمع، وإدخال تجارب ورؤى مختلفة إلى النقاش العمومي، وإعطاء الأجيال الجديدة نماذج واقعية للنجاح والمسؤولية.
ومن هنا، فإن صورة رئيسة الحكومة وهي تمارس مهامها ليست شأناً يخص النساء وحدهن. إنها صورة للمجتمع بأكمله، لأنها تقول للفتاة المغربية التي تنظر إلى المشهد السياسي من بعيد إن المناصب العليا ليست حلماً مستحيلاً، وإن المرأة تستطيع أن تكون في المدرسة والجامعة والمقاولة والإدارة والبرلمان والحكومة، بل وأن تصل أيضاً إلى أعلى درجات المسؤولية التنفيذية.
ومع ذلك، فإن قيمة هذه اللحظة التاريخية لن تقاس بالرمزية وحدها. فالمنصب يضع المنصوري أمام ملفات اقتصادية واجتماعية وتنموية كبرى، وأمام انتظارات المواطنين، وتحديات مرتبطة بالتشغيل والاستثمار والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتنمية المجالية، فضلاً عن الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب في السنوات المقبلة.
وهنا تحديداً تبدأ المرحلة الأكثر أهمية: مرحلة تحويل رمزية وصول المرأة إلى رئاسة الحكومة إلى ممارسة مؤسساتية ناجحة ومسؤولة.
فالتاريخ قد يسجل أن فاطمة الزهراء المنصوري كانت أول امرأة مغربية تصل إلى هذا الموقع، لكن الأثر الأعمق سيبقى في ما يمكن أن تفتحه تجربتها أمام النساء المغربيات من آفاق، وفي ما ستتركه من نموذج حول إمكانية الجمع بين الكفاءة السياسية والمسؤولية الوطنية والقدرة على إدارة الملفات الكبرى.
إن المغرب لا يكتب اليوم فقط اسماً جديداً في سجل رؤساء الحكومات؛ بل يكتب، مع هذه الخطوة، سطراً جديداً في قصة المرأة المغربية. امرأة لم تعد مطالبة بإثبات أنها قادرة على الحضور، وإنما أصبحت حاضرة في قلب القرار، وفي موقع يجعل أداءها جزءاً من مستقبل البلاد.
ومن الرباط إلى مختلف المدن والقرى المغربية، يمكن أن تتحول هذه اللحظة إلى رسالة أمل للأجيال الصاعدة: أن طموح المرأة لا ينبغي أن يتوقف عند حدود معينة، وأن المجتمع الذي يفتح أبواب المسؤولية أمام نسائه يوسع، في الوقت نفسه، دائرة الكفاءات التي يمكن أن تخدمه وتطوره.
إن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، بهذا المعنى، ليس خاتمة لمسار المرأة المغربية، بل محطة جديدة فيه. فبعد أن كان السؤال هو: _متى تصل المرأة إلى أعلى مواقع المسؤولية؟_ أصبح السؤال اليوم أكثر عمقاً: _كيف نجعل من هذا الوصول بداية لمسار مستدام، تصبح فيه المرأة شريكاً كاملاً في صناعة حاضر المغرب ومستقبله؟
وهكذا، قد يكون المشهد الأبرز في هذه اللحظة ليس فقط دخول امرأة إلى مقر رئاسة الحكومة، وإنما دخول فكرة جديدة إلى الوعي المغربي: أن الوطن لا يملك رفاهية استبعاد نصف طاقاته، وأن تقدم المجتمع يمر أيضاً عبر منح المرأة المكان الذي تستحقه في مواقع المسؤولية.
إن فاطمة الزهراء المنصوري تكتب اليوم صفحة جديدة في تاريخ المغرب؛ لكن الصفحة الأهم هي تلك التي يمكن أن تفتحها هذه التجربة أمام كل امرأة مغربية تؤمن بأن مكانها ليس فقط حيث يُسمح لها أن تكون، وإنما حيث تستطيع بكفاءتها وطموحها ومسؤوليتها أن تصنع الفرق.
بلال المويني
أستاذ التعليم العالي بجامعة عبد المالك السعدي كلية العلوم القانونية والسياسية بتطوان


تعليقات الزوار ( 0 )