لم تأت فاطمة سعدي إلى المسؤولية من فراغ، ولم يكن مسارها مجرد عبور عابر بين محطات سياسية متتالية؛ بل تشكل عبر تجربة امتزج فيها العمل الميداني بالترافع المؤسساتي، والانخراط الحزبي بالدفاع عن مشاركة النساء في الحياة العامة.
فمن الحسيمة، حيث خاضت تجربة تدبير الشأن المحلي، إلى فضاءات العمل البرلماني والحزبي، مرورا بمحطات التأطير والتكوين ضمن “قافلة التمكين” تبلورت ملامح تجربة سياسية تتقاطع فيها المسؤولية مع أسئلة المشاركة والمناصفة والتنمية.
واليوم، مع انتقالها إلى المسؤولية الحكومية، يعود هذا المسار إلى واجهة النقاش، لا باعتباره حصيلة من المناصب فحسب، بل باعتباره تجربة تطرح أمامها رهانات جديدة في تدبير الشأن العام وتحويل التراكم السياسي إلى أثر ملموس في حياة المواطنات والمواطنين.
إن الحديث عن فاطمة سعدي لا يتعلق فقط بمحطة جديدة في مسارها السياسي، وإنما باستحضار تجربة انطلقت من مدينة الحسيمة، من فضاء اجتماعي وسياسي له خصوصيته وتحدياته، لتتدرج عبر مواقع متعددة، ظل القاسم المشترك بينها هو الانخراط في تدبير الشأن العام والإسهام في النقاش العمومي حول قضايا التنمية والتمثيلية النسائية.
لقد شكل العمل الجمعوي إحدى المحطات الأساسية في بناء تجربتها، بما يتيحه من احتكاك مباشر بالواقع الاجتماعي، وفهم لانتظارات المواطنين، واستيعاب للتحديات التي تواجه النساء، خصوصا في المجالات التي لا تزال فيها المشاركة السياسية والاجتماعية تواجه عوائق متعددة.
فالعمل الجمعوي، في جوهره، ليس مجرد ممارسة موازية للسياسة، بل مدرسة لتكوين الحس المجتمعي، واكتساب القدرة على الإصغاء، وتحويل المطالب اليومية إلى قضايا تستحق الترافع والتزام المؤسسات.
ومن هذا الرصيد، انتقلت فاطمة سعدي إلى العمل السياسي من بوابة حزب الأصالة والمعاصرة، الذي انخرطت فيه منذ سنة 2008، لتخوض تجربة الانتخابات الجماعية سنة 2009، وتصبح أول امرأة تتولى رئاسة المجلس الجماعي للحسيمة.
ولم تكن هذه المحطة مجرد تغيير في موقع المسؤولية، بل شكلت منعطفا في مسار المشاركة السياسية للمرأة بالمدينة، بما يحمله من دلالات مرتبطة بقدرة النساء على الولوج إلى مواقع القرار وتحمل أعباء تدبير الشأن المحلي.
إن تدبير الجماعة الترابية يضع المنتخب أمام اختبارات يومية تتجاوز الخطاب السياسي إلى قضايا الخدمات الأساسية، وانتظارات السكان، وتدبير الموارد، وترتيب الأولويات، والتفاعل مع المطالب الاجتماعية.
ومن ثم، فإن تجربة رئاسة المجلس الجماعي للحسيمة تظل محطة أساسية في قراءة مسار سعدي، لأنها نقلتها من فضاء الترافع إلى فضاء المسؤولية المباشرة عن الشأن العام، بما يفرضه ذلك من التزامات وتحديات.
وبعد التجربة المحلية، اتسع مجال حضورها السياسي والمؤسساتي، بانتخابها عضوا بمجلس جهة طنجة- تطوان- الحسيمة سنة 2015، ثم ولوجها مجلس النواب سنة 2016، ضمن اللائحة الوطنية للنساء، خلال الولاية التشريعية الممتدة إلى سنة 2021.
وقد أتاح لها هذا الانتقال الاشتغال على قضايا الشأن العام من زوايا مختلفة، تجمع بين الخصوصية الترابية والبعد الوطني، وبين المطالب المحلية وآليات التشريع والرقابة البرلمانية.
فالتمثيلية السياسية لا تكتسب معناها الحقيقي بمجرد شغل المقاعد، وإنما بما تتيحه من إمكانات للترافع عن القضايا المجتمعية، ومساءلة السياسات العمومية، والدفاع عن الفئات التي تحتاج إلى إيصال صوتها إلى المؤسسات. ومن هنا، تبرز أهمية الجمع بين التجربة المحلية والخبرة البرلمانية، باعتبارهما مجالين متكاملين لفهم حاجيات المجتمع والتفاعل مع التحولات التي يعرفها.
وعلى المستوى الحزبي، راكمت فاطمة السعدي تجربة تنظيمية أهلتها لتحمل مسؤوليات قيادية، من بينها منصب نائب الأمين العام للحزب، قبل أن تصبح عضوا في القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة. وهو انتقال يعكس اتساع نطاق مسؤولياتها، من تدبير الشأن المحلي إلى الإسهام في تدبير الشأن الحزبي، والمشاركة في النقاشات المرتبطة بالاختيارات التنظيمية والسياسية.
غير أن أحد الأبعاد التي تستحق التوقف عندها في هذه التجربة هو ارتباطها بقضية المشاركة السياسية للنساء، فالنضال من أجل تمثيلية نسائية أوسع لا ينتهي عند ضمان الولوج إلى المؤسسات، ولا ينبغي أن يتحول إلى مجرد احتفاء بالأرقام أو بالمواقع التي تصل إليها بعض النساء.
إن الرهان الحقيقي هو بناء شروط المشاركة الفعلية، وتوسيع فرص التأطير والتكوين، وتمكين النساء من أدوات الفعل السياسي، وإزالة الحواجز التي تحول دون وصولهن إلى مواقع القرار.
وفي هذا السياق، تكتسب مبادرات منظمة نساء الأصالة والمعاصرة، وفي مقدمتها “قافلة التمكين من أجل منتخبة فاعلة ومتواصلة ومؤثرة”، أهمية خاصة، باعتبارها ورشا يروم تقريب التكوين والتأطير السياسي من النساء، ولا سيما في العالمين القروي والجبلي، وإعداد منتخبات قادرات على ممارسة أدوارهن التمثيلية والتدبيرية بكفاءة واستقلالية.
ويجد هذا المسار امتداده في الحضور الميداني لفاطمة السعدي بإقليم وزان، حيث شاركت يوم 10 يناير 2026 في محطة من محطات “قافلة التمكين”، المخصصة لتعزيز مشاركة النساء وتأهيلهن لتدبير الشأن المحلي.
كما حضرت بمدينة وزان يوم 8 مارس 2025 لقاء احتفاليا بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، في محطة أخرى ارتبطت بالنقاش حول التمكين والمساواة ودور المرأة في تحقيق التغيير والتقدم.
وتكتسب هذه المحطات أهميتها من كون تمكين النساء لا يتحقق من داخل المؤسسات وحدها، بل يحتاج إلى عمل ميداني مستمر، وإلى التواصل المباشر مع النساء في مختلف الأقاليم، والاستماع إلى انتظاراتهن، ومساعدتهن على اكتساب الأدوات التي تخول لهن المشاركة في تدبير الشأن العام.
فالتأطير السياسي والتكوين والتواصل ليست أنشطة هامشية، بل عناصر أساسية في بناء مشاركة نسائية قادرة على تجاوز الحضور العددي نحو التأثير الفعلي في القرارات والسياسات.
ومن موقعنا داخل منظمة نساء الأصالة والمعاصرة بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة، نعتبر أن مثل هذه الأوراش تكتسب قيمتها من قدرتها على الانتقال من التكوين النظري إلى الممارسة، ومن الشعارات إلى إعداد نساء قادرات على تحمل المسؤولية داخل المجالس المنتخبة والمؤسسات الحزبية، وعلى التواصل مع المواطنات والمواطنين واستيعاب انتظاراتهم.
فالمناصفة التي نطمح إليها ليست مجرد مطلب عددي، وإنما اختيار ديمقراطي ومجتمعي يقتضي إعادة النظر في شروط المشاركة وفي توزيع فرص التأثير وصناعة القرار.
كما أن تجربة فاطمة سعدي بصفتها مستشارة برلمانية أضافت بعدا جديدا إلى مسارها المؤسساتي، من خلال الاشتغال على قضايا التشريع والرقابة والترافع عن الملفات الاجتماعية والتنموية.
وقد برز هذا الحضور، على سبيل المثال، في مداخلاتها بشأن التمكين الاقتصادي للنساء في العالم القروي، حيث شددت على ضرورة قياس أثر البرامج العمومية على المستوى الترابي، وعدم الاكتفاء بتعدد المبادرات دون التحقق من انعكاساتها الفعلية على حياة النساء.
وهو نقاش يتجاوز قضية المرأة بمعناها الضيق، ليطرح سؤال العدالة المجالية، ومدى قدرة السياسات العمومية على الوصول إلى الفئات التي تحتاج إلى الدعم، وإحداث تغيير ملموس في ظروف عيشها.
فالمرأة القروية، كما المرأة في الأحياء الهامشية والمناطق الجبلية، لا تحتاج فقط إلى برامج معلنة، وإنما إلى فرص اقتصادية حقيقية، وإمكانات للتكوين والإنتاج، وشروط تضمن استقلاليتها وقدرتها على المشاركة في التنمية.
ومن بين المسؤوليات التي اتسعت معها تجربة فاطمة سعدي، مساهمتها في عمل اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وهو مجال يفرض تحديات متزايدة في ظل التحولات الرقمية وتوسع استعمال التكنولوجيا. فحماية المعطيات الشخصية لم تعد قضية تقنية محصورة في المتخصصين، بل أصبحت مرتبطة بحقوق الأفراد، وصيانة الحياة الخاصة، وتعزيز الثقة في المؤسسات والخدمات الرقمية.
إن الجمع بين التجربة السياسية والبرلمانية والانخراط في قضايا حماية المعطيات الشخصية يضع أمام المسؤولين في هذا المجال مسؤولية الإسهام في تطوير النقاش العمومي حول التوازن بين متطلبات الرقمنة وضمان الحقوق والحريات. وهي مسؤولية تزداد أهمية في زمن تتسع فيه معالجة المعطيات وتتشابك فيه الاعتبارات القانونية والاجتماعية والتكنولوجية.
واليوم، مع انتقال فاطمة سعدي إلى المسؤولية الحكومية بتعيينها وزيرة منتدبة مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، تدخل تجربتها مرحلة جديدة، تتجاوز فيها مسؤوليات التدبير المحلي والعمل البرلماني والحزبي إلى الإسهام المباشر في تنفيذ السياسات العمومية داخل قطاع يرتبط بالحياة اليومية للأسر المغربية.
فالسكن ليس مجرد بناية أو وحدة عقارية، وسياسة المدينة ليست فقط تدخلا في المجال العمراني؛ إنهما قضيتان تتصلان بالكرامة الإنسانية، والاستقرار الأسري، وجودة العيش، والعدالة المجالية، والحق في فضاء حضري تتوفر فيه شروط الحياة اللائقة.
ومن ثم، فإن المسؤولية الجديدة تضع أمامها ملفات تتطلب الإصغاء إلى انتظارات المواطنين، والتنسيق مع الجماعات الترابية، ومواصلة جهود معالجة اختلالات المجال الحضري، مع إيلاء الفئات ذات الدخل المحدود والمناطق التي تعاني من خصاص في التجهيزات ما تستحقه من اهتمام.
ومن الطبيعي أن يثير انتقال شخصية سياسية إلى مسؤولية حكومية نقاشا حول مسارها السابق، ومواقفها، وما يرافق تجربتها من أسئلة، فالمسؤولية العمومية تقتضي الشفافية واحترام القانون، كما تقتضي من المؤسسات والفاعلين الإعلاميين التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات المتداولة، وبين النقاش المشروع حول الأداء السياسي والأحكام التي لا يجوز إطلاقها خارج ما تثبته الوثائق والقرارات القضائية.
وفي هذا الإطار، فإن التوضيح الذي نشرته فاطمة سعدي بشأن الملف القضائي الذي أعيد تداوله يستدعي التعامل معه بجدية، من خلال الوقوف على مضمونه ومآل القضية كما تثبته الوثائق القضائية ذات الصلة. فالنقاش العمومي المسؤول لا يقوم على التشهير أو إصدار الأحكام المسبقة، كما لا يقوم على إغلاق باب المساءلة، وإنما على احترام قرينة البراءة، والتحقق من المعطيات، والتمييز بين المسؤولية السياسية والوقائع القانونية التي ينبغي أن تقرأ في ضوء أحكام القضاء.
وفي تقديري، فإن قيمة تجربة فاطمة سعدي لا ينبغي أن تختزل في تعيينها الحكومي، مهما كانت أهمية هذه المحطة، بل في مجمل المسار الذي سبقها، بما يتضمنه من عمل جمعوي وتجربة في تدبير الشأن المحلي، ومشاركة في المؤسسات المنتخبة، ومسؤوليات داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وانخراط في النقاش حول تمكين النساء وقضايا التنمية.
كما أن هذه المرحلة تطرح سؤالا أوسع يتجاوز تجربة شخص بعينه: كيف يمكن تحويل الحضور النسائي في المؤسسات إلى أثر ملموس في السياسات العمومية؟، وكيف يمكن ضمان أن تصبح المناصفة مدخلا لتوسيع المشاركة وصناعة القرار، لا مجرد عنوان للاحتفاء بالمناصب؟، وكيف يمكن للنساء اللواتي راكمن تجربة سياسية وتنظيمية أن يسهمن في فتح المجال أمام أجيال جديدة من الكفاءات النسائية؟.
تلك هي الأسئلة التي تمنح المسارات السياسية معناها الحقيقي، وتضع المسؤولية في إطارها الصحيح: خدمة المواطنات والمواطنين، والاستجابة لانتظاراتهم، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج قابلة للملاحظة والتقييم.
إن فاطمة سعدي، وهي تنتقل إلى محطة جديدة من مسارها، تحمل معها تجربة متعددة الأبعاد، وتواجه في الوقت نفسه مسؤولية جديدة لا يكفي فيها رصيد الأمس، بل تتطلب اجتهاداً يوميا وقدرة على الإنصات والعمل والإنجاز.
أما الرهان الذي يعنينا، كنساء منخرطات في العمل السياسي والتنظيمي، فهو أن تتحول هذه التجربة إلى فرصة إضافية لتعزيز حضور المرأة في مواقع القرار، وتوسيع مجال مشاركتها، وربط التمثيلية النسائية بالمسؤولية والمردودية.
فالمسار النضالي لا ينتهي بالوصول إلى المنصب، بل يبدأ فيه اختبار جديد لمدى القدرة على الوفاء للالتزامات. والمناصفة لا تكتمل بمجرد فتح أبواب المؤسسات أمام النساء، وإنما حين تصبح مشاركتهن فعلا مؤثرا في السياسات والقرارات التي تصنع مستقبل المجتمع.
بقلم: سارة العيساوي
عضو المكتب الجهوي لمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة


تعليقات الزوار ( 0 )